12 يونيو 2011

حكم البناء على القبور وهل يجب هدمها ؟!


حكم البناء على القبور وهل يجب هدمها ؟!

 

وردنا هذا السؤال : كثر مؤخراً بعد الثورة المصرية المطالبون بهدم ضريح الحسين عليه السلام وأضرحة الأولياء والصالحين في مصر فهل هذا له وجه من الحق والصواب نرجو منكم تبيين هذا الأمر

 

الجواب بقلم الدكتور محمود أحمد الزين :

بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول وعلى آله وصحبه هدانا الله جميعاً لما يحبه ويرضاه وبعد:

قد دلت الأدلة على أن البناء على القبور نهي عنه إذا وجد بقصد المفاخرة الدنيوية ، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما دفنوا داخل بناء بإجماع الصحابة ، فإن قيل : إن هذا ليس بضريح وإنما هو بيت ؟ فالجواب على ذلك : أن الحديث فيه النهي عن البناء لا عن الضريح خصوصاً ، وكلمة الضريح موضوعة للقبر نفسه لاللمبني عليه ، فإن قيل : إن الذي أجمع عليه الصحابة خصوصية ؟ فالجواب أن الخصوصية تكون للنبي صلى الله عليه وسلم أو من خصه النبي صلى الله عليه وسلم ، والصحابة رضي الله عنهم لايخصصون لأدلة فقد ثبت أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تريد أن تدفن في الحجرة فتنازلت عن القبر لما طلبه عمر رضي الله عنه وهذا يعني أن دفن الخليفتين لم يكن خصوصية فإن قلتم إن البناء في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم كان موجوداً قبل أن يدفن فيها الثلاثة فالجواب هو أنه يمكن إذا كان البناء قبل الدفن جائزاً أن يتخذ الناس ذلك عادة فيبنون ثم يدفنون في البناء وهذا لايتغير بحسب الواقع إذ تكون القبور مبنياً عليها فإن قال من يدعون اتباع مذهب السلف :إن النهي مقصود به لا تعبد القبور بالصلاة عندها والاستغاثة بها وذلك يستدعي هدمها فالجواب أولاً :أن الصحابة رضي الله عنهم لو كان النهي من أجل العبادة لما دفنوا الخليفتين الراشدين في داخل حجرة ثم إن هذا التعليل الذي ذكروه مخالف لما جاء عن أكثر السلف وأئمة الاجتهاد من أن البناء لم يذكر له علة بهذا المعنى أي لم يقل أئمة الاجتهاد إن علة النهي عن البناء هي العبادة ، والعبادة لاتمتنع بالبناء إذ يمكن أن يكون العبادة من خارج البناء والمدار على القصد أي قصد البناء ثم قد ثبت في صحيح مسلم أن السيدة عائشة كانت تصلي في غرفتها مع وجود القرون الثلاثة ومع علم كل الصحابة بها

 

وأما الاستغاثة بأصحابها فهذا الذي تزعمونه في الاستغاثة مخالف للواقع لأن الاستغاثة يمكن أن تكون مع وجود البناء ، وإنما الاستغاثة بهم معناها طلب الدعاء منهم وقد أوضحت ذلك في رسالة (التوسل) ولله الحمد وما تقولونه في معنى الاستغاثة خالفكم فيه كثيرون من الأئمة وليس لكم ولا لأشياخكم أن تفرضوا على الناس ماترونه فهذا استبداد في أمر الدين وتحكم لامبرر له ، وكأن الدين لكم وحدكم ، إذن :فالخلاصة أن الاستغاثة معناها طلب الدعاء من الميت ، والميت عند جمهور العلماء وأكثريتهم الساحقة يدعو وقد ثبت أن الموتى يدعون للأحياء كما جاء في حديث شهداء بئر معونة أو شهداء أحد.

 

وأحاديث النهي عن البناء على القبور ينبغي أن تفهم في ضوء هذا الاتفاق من الصحابة وكذلك حديث الأمر بهدم القبور المشرفة وأقرب شيء للتوفيق بين هذه الأدلة هو أن البناء على القبر إن كان للمفاخرة والتميز على الآخرين فهو المنهي عنه، وإن كان لمقصد شرعي أو مقصد مباح فلا يدخل في النهي، والمقصد الشرعي قد يكون لحفظ القبر من النباشين إن كان في بلد يحصل فيه ذلك، وقد يبنى على القبر بناء واسع يصلح لأن يدفن فيه معه ميت آخر من أسرته أو من يشاركه في حق الدفن في ذلك الموضع، والمهم ألا يكون مقصوداً به المفاخرة وما أشبهها مما يدخل في المقاصد الدنيوية التي حرمها الشرع أو كرهها كراهة التنزيه.

 

أقوال أئمة الاجتهاد في المراد من النهي عن البناء وعن الصلاة عند القبر :

 

قول الإمام مالك : في المدونة (1/90):(( قلت لابن القاسم : هل كان مالك يوسع أن يصلي الرجل وبين يديه قبر يكون سترة له ؟ قال : كان مالك لايرى بأساً بالصلاة في المقابر ، _ وهو إذا صلى في المقبرة كانت القبور بين يديه وخلفه وعن يمينه وشماله _ قال : وقال مالك : لابأس بالصلاة في المقابر قال : وبلغني أن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يصلون في المقبرة )) وإذا كانت الصلاة عند القبور جائزة في قول مالك فالدعاء جائز ، لأنها تشتمل على الدعاء

قول الإمام الشافعي : والإمام الشافعي _ وهو الذي لقبه أهل عصره بناصر السنة _ يصرح في الأم (92/1)بعد أن ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ((الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام )) بأن ذلك إنما جاء (( لأن المقبرة مختلطة التراب بلحوم الموتى وصديدهم ومايخرج منهم ... أما صحراء لم يقبر فيها قط ، قبر فيها قوم مات لهم ميت ثم لم يحرك القبر فلو صلى رجل إلى جنب ذلك القبر أو فوقه كرهته له ولم آمره يعيد لأن العلم يحيط بأن التراب طاهر لم يختلط فيه شيء وكذلك لو قبر فيه ميتان أو موتى ) . وهذا واضح في أن المسألة لاعلاقة لها بعبادة القبور والشرك وذريعته أصلاً إنما هي تتعلق بما يكون من النجاسة لاغير ، ولو كانت الصلاة عند القبر مكروهة عنده لأنها من جنس الشرك لكانت باطلة تجب إعادتها . وينقل الإمام النووي عنه عند شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم :(( لاتصلوا ولاتجلسوا عليها )) من صحيح مسلم (44/4): (( قال الشافعي رحمه الله : واكره أن يعظم مخلوق حتى يجعل قبره مسجداً مخافة الفتنة عليه وعلى من بعده من الناس )).وهذا واضح الدلالة _ إذا قرن بما قبله _ على أن كرهه لاتخاذ القبر مسجداً له معنى آخر ، غير مجرد الصلاة عليه ، وإنما يكون ذلك مع قصد تعظيم القبر وصاحبه بالصلاة عنده كما تعظم الكعبة مع أنها لاتقصد بذلك عبادتها إنما العبادة لله تعالى ، والتوجه إليها تعظيم غير تعظيم المعبود ، وكذلك التوجه إلى القبر إذا لم تقصد عبادته ، أو عبادة صاحبه لايكون شركاً لكن فاعله ملعون بقصده تعظيمه بالصلاة إليه لأنه توجه في صلاته إلى غير ماأراد الله ، وابتدع شيئاً لم يأذن به الله وجعله بديلاً عما شرع الله .

 

قول الإمام أحمد : وأما الإمام أحمد _ رضي الله عنه _ فاختلفت الرواية عنه ففي المسائل الفقهية من كتاب الروايتين والوجهين لابن أبي يعلى (156/1) قال : (( واختلفت في المواضع المنهي عن الصلاة فيها ، إذا صلى فيها هل تبطل صلاته ؟ فنقل بكر بن محمد :إذا صلى في مواضع نهى النبي صلى الله عليه وسلم فيها كمعاطن الإبل والمقبرة يعيد الصلاة ، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن والنهي يدل على فساد المنهي عنه .

ونقل أبو الحارث : إذا صلى في المقبرة أو الحمام يكره ، فقال له : يعيد ؟ قال : إن أعاد كان أحب إلي ، وظاهر هذا أن الإعادة غير واجبة )).

وأول ماينبغي ملاحظته في كلام الإمام أحمد : هو تعدد الرواية عنه وهو يعني اختلاف نظره في أدلة المسألة ، ومسائل التوحيد لاتحتمل اختلاف وجهات النظر وتغيير الرأي حتى يغير الإمام رأيه في مسالة توحيدية أو يختلف فيها مع الإمامين مالك والشافعي رضي الله عنهما ..

والملاحظة الثانية : أن الإمام أحمد في الرواية التي قال فيها عن الصلاة في المقبرة إنها تعاد مابنى ذلك على شبهة الشرك وذريعته ، وإنما بناه على نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في سبعة مواطن ، وذكر معها معاطن الإبل وليس فيها شبهة شرك .

 

قول الإمام أبي حنيفة وأصحابه : وكذلك استدل الحنفية حين قالوا بكراهة الصلاة على القبر بحديث النهي عنها ففي بدائع الصنائع 65/2 قال : (( ويكره أن يصلي على القبر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلى على القبر ))

لفظ الكراهة عند أحمد وأبي حنيفة : ثم إن التعبير بلفظ الكراهة عند الإمام أحمد لو قصد به التحريم يستعمله الإمام تورعاً ، والورع عن إطلاق لفظ التحريم في مسائل الشرك وذرائعه مستبعد كل الاستبعاد .

قال ابن قيم الجوزية في مختصر الصواعق المرسلة (436) : (( فكان يجزم بتحريم أشياء ويتوقف عن إطلاق لفظ التحريم عليها ، ويجزم بوجوب أشياء ، ويتوقف عن إطلاق لفظ الوجوب عليها تورعاً ، بل يقول : أكره كذا وأستحب كذا ، وهذا كثير في أجوبته )) ثم إن الأصح في فهم عبارتيه أن يجمع بينهما إن أمكن الجمع ، وهو هنا ممكن بأن يفسر قوله : (( يعيد الصلاة ))بأنها إعادة مستحبة غير واجبة كما صرحت به الرواية الأخرى .

وكذلك الحنفية اصطلاحهم أن يطلقوا لفظ الكراهة التحريمية على الحرام حين يكون دليله غير قطعي ، وهذا لايكون فيما يمس الإيمان والتوحيد كمسألة الصلاة عند القبر حسب رأي ابن تيمية السابق ذكره .

 

ثم إن السيدة عائشة رضي الله عنها وهي من رواة التحذير من اتخاذ قبور الأنبياء مساجد _ كانت تصلي في الحجرة الشريفة بعد وجود القبور فيها . قال ابن تيمية في الفتاوى (399/27):(كانت عائشة فيه لأنه بيتها ) وقد روى مسلم برقم (2493) عن عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال : (( كان أبو هريرة يحدث ويقول : اسمعي ياربة الحجرة ، اسمعي ياربة الحجرة وعائشة تصلي ، فلما قضت صلاتها قالت لعروة : ألا تسمع إلى هذا ومقالته آنفاً ؟ إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدث حديثاً لو عده العادّ لأحصاه )).

وعروة ولد في أوائل خلافة عثمان كما صرح ابن حجر في تقريب التهذيب (4561)أي بعد وجود القبور الثلاثة في الحجرة الشريفة ، وصلاتها في الحجرة لم تكن أمراً خفياً على سائر الصحابة ، ولم ينكر عليها أحد منهم ، فكان ذلك إجماعاً على إقرارها . وقد ذكر ابن تيمية في رده على الإخنائي ( 434) عن أبي زيد عمر بن شبة في كتابه أخبار المدينة : ( قال أبو زيد حدثنا القعنبي وأبو غسان عن مالك قال : كان الناس يدخلون حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يصلون فيها الجمعة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكان المسجد يضيق بأهله ولم تكن في المسجد وكانت أبوابها في المسجد ) .

مختارات من القسم

  1. السلام عليكم فضيلة الشيخ نرجوا منكم تبيين احوال الحلاج هل ...
  2. تفسير سورة البينة
  3. ما حكم الجمع بين الزوجة وخالتها
  4. تفسير سورة التين
  5. قصيدة شتم العظماء حرية السفهاء