04 سبتمبر 2012

نبي التزكية والأسوة الحسنة

نبي التزكية والأسوة الحسنة

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

تزكية النفوس تطهير لها وسمو بها ، ولا يقوم بها إلا عليم بالنفوس وأسرارها خبير بتوجيهها وتحريك مقودها خبرة المعايشة المستمرة الحاضرة في كل موقف المضيئة دائماً إضاءة المنار على شواطئ البحار كلما ادلهم الظلام .

وهذا عمل شهدت الدنيا كلها أنه قام به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم على الوجه الأعظم فأنشأ رجالاً كانوا قادة عظماء في كل مجال ، وأبرز ما فيهم نفوسهم الزاكية التي عطرت الوجود الإنساني ، فأعظم بهذا العمل وبمن قام خير قيام وهو سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .

وعمله هذا كان من أعظم المعجزات التي تشهد له بالنبوة لأنه لم يأخذه عن أستاذ ولا رباه على الاستعداد له مرشد بل لم يكن في بلده ولا أمته أو غيرها من يصلح لذلك .

كفاك بالعلم في أمي معجزة في الجاهلية والتأديب في اليتم

لا ، ولكنها بحار من العلم وأزهار من الأدب والتأديب بل في حدائق غناء في بيداء قاحلة مترامية الأطراف ، ومن أحب أن يعرف سر هذا كله فليتأمل هذا الكلام الرباني " هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " ، أهذا سر أم هو نبع أسرار ؟

أمة أمية ورسول أمي بعثه الله اختياراً محضاً بإرادة كريمة وحكمة حكيمة فأنشأ بذلك هذا النبي بهذه الأهلية التي ملأت الزمان والمكان بالمعجزات (معجزات هي رجال جبهاتهم :

إرث النبوة في علاها مشرق .

وكان هذا الرسول صلى الله عليه وسلم منهم : لحمه من لحومهم ودمه من دمائهم وطبيعته من طبائعهم ونفسه من أنفسهم فلما استجابوا له امتزجت نفسه بأنفسهم وفاضت عليهم من سموها وسجاياها وكمالاتها حتى أضاءت بهم الحياة وملؤوها طيباً ، ولو لم يكن منهم لم يتمكنوا من صعود هذا المرتقى على الوجه الذي رفعهم إليه ، ومن هذا السبيل سقاهم آيات الكتاب الذي أنزله عليه ربه ، فتلقوه بعقولهم فهماً وتدبراً وتلقوه بقلوبهم حفظاً واهتماماً ، وتحملوه بعزائمهم عملاً وتخلقاً ، ( يقرؤون العشر الآيات فلا يتجاوزونها إلى غيرها حتى يتعلموها ويتدبروها ويعملوا بها ) ، فزكت به نفوسهم وزكت بنفوسهم الدنيا وأصبحت آيات القرآن لهم كالثدي للرضيع يبكي إذا منع منه أو تأخر عنه ، كما ظهر ذلك في الخادمة الأمية بركة الحبشية أم أيمن حين زارها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكت حين ذكر لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالا لها : إن ما عند الله خير لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : والله ما أبكي لأني لا أعلم ذلك وإنما أبكي لانقطاع الوحي فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان .

لكن هذه التزكية إنما تمت بإشراف من كان يزكيهم وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ بأيديهم في تجاوز العقبات ويبصرهم بالطريق ليستمروا في الترقي ويهديهم إلى آفاق الأهداف العظمى ليطلبوها ويتسابقوا إليها ، فكانوا بحق أفضل نماذج النفوس الزكية السامية ، وإذا ذكرناهم لا نحتاج إلى البحث والتنقيب ولا إلى تكرار الأسماء من أمثال الخلفاء الراشدين والقادة الأفذاذ أمثال خالد وسعد وعمرو بن العاص ولا العلماء الكبار أمثال معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ولكن يكفي أن نلقي نظرة سريعة هنا أو هناك حتى نجد النماذج الفاضلة تملأ الزمان والمكان ويزدحم بها كل ميدان في العلم أو القيادة أو الإمارة أو القضاء العادل أو غير ذلك تزدان جميعها بالنفس الزكية الطهور :

ركضاً إلى الله بغير زاد * إلا التقى وعملَ المعاد

‏والصبرَ في الله على الجهاد * وكلُّ زادٍ عرضةُ النفاد

غيرَ التقى والبرِّ والرشادِ"

أي شــوق إلى الله هـذا؟!

وهذا جعفر بن أبي طالب يحمل اللواء يوم غزوة مؤتة فيقطع الأعداء يده فيحمله باليد الأخرى فيقطعها الأعداء فيحنو على اللواء بعضديه ويأبى أن يتركه حتى مزقته السيوف والرماح فهل يطيق ذلك إلا نفس زكية ترتع بين الملأ الأعلى .

وهذا أبو هريرة يصير أميراً ، ويحتاج أن يمسح أنفه فيعطى منديلاً من كتان فيذكر للحاضرين فقره الذي كان فيه عند بداية دخول الإسلام فيقول : بخٍ بخٍ أبو هريرة يتمخط بالكتان! لقد رأيتني أخر من الجوع على الأرض فيظن الناس أن ذلك من الجنون وما بي جنون ولكنه الجوع ، إن الشعور بنعمة الإسلام التي جعلته أميراً بعد ذلك الفقر ما حركه إلا النفس التي زكتها التربية المحمدية بهدي القرآن .

وهذا جابر بن عبد الله يحمله حرصه على العلم أن يسافر من المدينة المنورة إلى مصر من أجل حديث واحد عند أخيه عبد الله بن أنيس فإذا بلغ بيت أخيه سأله عن الحديث قبل أن ينزل عن راحلته فيقول له عبد الله بن أنيس : ألا تدخل البيت فأحدثك الحديث ونحن جلوس فيقول جابر بن عبد الله : بل الآن حدثني فإني أخشى أن تموت أو أموت قبل أن أسمع الحديث .

إنها النفس الزكية التي تعرف قيمة العلم وتدرك أن العلم ليس وسيلة إلى شهرة أو مال ولكنه نور يفتح آفاق العقل وتسمو به الروح وتقبل به على الله ، ولذلك كان أخذهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم ، ولذلك كان العلم الذي علمهم إياه علم : " الكتاب والحكمة " علم كتاب الله تعالى وحكمة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي صورة عملية من استقامة حكمة القرآن التي أوحى بها الله تعالى إليه حين اختاره لرسالته .

فصلى الله وسلم وبارك على هذا النبي الأمي الذي كان " يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين " .

 

مختارات من القسم

  1. السلام عليكم فضيلة الشيخ نرجوا منكم تبيين احوال الحلاج هل ...
  2. تفسير سورة البينة
  3. ما حكم الجمع بين الزوجة وخالتها
  4. تفسير سورة التين
  5. قصيدة شتم العظماء حرية السفهاء