18 يوليو 2012

هل المعرفة نسبية؟

هل المعرفة نسبية؟

 

 

بقلم الدكتور محمود أحمد الزين

 

 

"المعرفة نسبية" هكذا اشتهر بين المثقفين في هذه الأيام، ولكنه قول يحتاج إلى إعادة النظر والمراجعة وحسن التدبر لا سيما أنه عندهم من المعرفة كأساس ، وأول ما ينبغي ملاحظته هو هذا الكم الكبير من المعلومات  اليقينية التي لا يختلف فيها اثنان لأنها قائمة على أدلة حسية أو شبه حسية مثل كروية الأرض، وتركيب الهواء وحقيقة البراكين ونحو ذلك ، وهو كثير ينقض هذا التعميم في قولهم: (المعرفة نسبية) ويدعونا إلى القول بأن بعض المعرفة قطعي لا يختلف بحسب اختلاف وجهات النظر ومناهج البحث العلمي المنصف ، ولكن الناس ينخدعون بهذه الكلمة لأنهم يرون كثيراً من المعلومات تختلف فيها وجهات النظر اختلافاً كثيراً ، فيتقبلون فكرة أن المعرفة نسبية وتراهم يعتنقونها كمبدأ ، ويجادلون في الأمور بناءً عليها ، ولا يدركون خطورتها على العلم والمبادئ ، بل إن بعض الناس يدرك ما في هذا التعميم من الخطأ ، ومع ذلك يصر على نشر الفكرة والدعاية لها، ومحاولة إقناع الناس بها عن عمد وإصرار.

وربما قال بعض الناس : إنك تتحامل على هؤلاء الأشخاص لأن هذه الفكرة ثقافة محضة لا علاقة لها بدين أو خلق أو شيء من التقاليد، ولا داعي لأن يتعصب لها هؤلاء الذين تتهمهم بالإصرار على نشر الفكرة والدعاية لها، هكذا يظن القوم .

وهو ظن منقوص لأن ناشري هذه الفكرة والمتبنين لها يتخذونها ذريعة تؤدي إلى مثل ما تؤدي إليه السفسطة ، فإذا رأيت أحداً منهم يعتنق مبدأ خاطئاً أو فكرة سيئة أو سلوكاً قبيحاً وأردت أن تبين له خطأه اكتفى بأن يقول لك:  هذه وجهة نظرك أنت ، أما أنا فلا أرى قولك صواباً، ولكل منا رأيه ، وهذا يتكئ على أن المعرفة نسبية ، فما تراه أنت صواباً يمكن أن يراه هو خطأ، ولا داعي للحوار لأن المعرفة نسبية، وهؤلاء يجابهونك بهذا الكلام إذا واجهتهم بقوة الدليل والبرهان، فإذا رأوا منك ضعفاً أو ليناً في الحوار راحوا يهاجمون رأيك بكل ما لديهم من شبهات، وينتقصون ويسخرون لأنك تتبنى فكرة ـ في رأيهم ـ ضعيفة أو قديمة، مع أن فكرة أن المعرفة نسبية توجب عليهم أن يتركوا لك ما تختار لأنه قناعتك ومعرفتك التي جنيتها بفكرك وعقلك.

وأنت واجد هؤلاء أشد ما يكونون إصراراً على موقفهم هذا حين يرونك تدعو إلى مبدأ إسلامي أو خلق من الأخلاق الإسلامية بقوة الحجة ونصاعة البرهان، يستوي منهم الأجنبي ومن رضع من الأجنبي وإن كان في داخل بلاد الإسلام وبين أهلها، يخلص لأولئك دون بلاده وأهله، وتكون هذه الفكرة إغلاقاً لباب الحوار في وجه الأقوياء فيه كي لا يحرجهم إذا تشبثوا بخطأ مبين أو يأخذ بأيديهم إلى الحق إذا طاوعوا الدليل والبرهان ونبذوا ما كانوا عليه.

 

 

وسيجد المرء من هؤلاء من لا يعرف دليلاً ولا يجيد حواراً يقول ويكرر: هذا الأمر _ نسبية المعرفة _ أحدث ما توصل إليه العلم، ويأخذ به أكابر العلماء في البلاد المتحضرة. ولو تنبه هذا وأمثاله إلى ما هو مشهور من حقائق المعرفة التي أصبحت في متناول أصغر المثقفين كمثال كروية الأرض وأشباهه لعرف أن العلماء وكبار المثقفين لا يمكن أن يعتنقوا هذه الفكرة فضلاً عن أن يتبنوها على عمومها.

والعلماء بحق يعلمون بالبداهة ـ سواء القدماء والمحدثون ـ أن أي معنى يدركه الإنسان إما أن يكون قاطعاً لا يحتمل الخطأ عند كل ناظر مثل كروية الأرض، وخطأ القول بأنها مسطحة، وهذا هو ما يسمى الحقائق العلمية، ولا يدخل شيء منه في فكرة أن المعرفة نسبية، بل عام الناس كلهم ـ من أهل العلم ـ واحد؛ لأنه لا يقبل الخطأ، وإن وقع فيه اختلاف فليس سببه وقوع الخطأ فيه بل سببه شبهة يلتبس بسببها، أو سوء تفاهم واختلاف ألفاظ.

وهذا النوع من المعلومات إذا جعل  أرضية للمعلومات الراجحة التي سيأتي ذكرها يزيدها قوة ترفع احتمال الصواب فيها كثيراً.

 

 

 وإما أن يكون راجحاً يحتمل الخطأ احتمالاً ضعيفاً مثل كثير من المعلومات التي يعتمد عليها الأطباء في العلاج ثم يكتشفون بعد مدة قصيرة أو طويلة أنها غير مفيدة، ومع ذلك فهم يعتمدون عليها لأنهم محتاجون إليها وليس لديهم بديل، وهذا النوع من المعلومات هو الذي يدخل في حيز المعرفة النسبية فقد يعلم بهذا النوع من الدواء طبيب، ويجهله آخر، وقد يرى طبيب أنه يفيد ويرى آخر أنه لا يفيد ويرى ثالث أنه يضر رغم أن العلم بالأدوية قريب من أن يكون قاطعاً لأنه يعتمد على التجربة، لكن التجربة قد تخطئ أو تأتي وسيلة فيها أسلوب اكتشاف للنفع أدق، وهذا النوع من المعلومات هو الذي يطلق عليه اسم "نظرية".

فإذا أضيف إلى قوته الذاتية هذه أن يكون له أساس من المعلومات القاطعة أي الحقائق العلمية اكتسب قوة إضافية  أكبر،  وربما ترفعه في بعض الأحيان ـ إذا كان مثلاً جزئية من جزئيات تلك الحقائق ـ إلى أن يكون حقيقة علمية قاطعة.

وما سوى النوعين السابقين من المعاني التي يدركها الإنسان لا يدخل في حيز المعرفة لأنه إن كان مستوي الثبوت والانتفاء فلا يمكن الاعتماد عليه فلو كان دواء مثلاً يستوي فيه احتمال النفع والضرر فكما يرجى نفعه يخشى ضرره، وهذا النوع من المعاني يسمى (المشكوك فيه أو الافتراض الذي يفقد ما يرجحه)، وأما إن كان ضعيف الثبوت أي أن احتمال الثبوت فيه أقل من احتمال الانتفاء فهذا أبعد من سابقه عن الاعتماد عليه، وأجدر منه بالخروج من حيز المعرفة، ويبقى كذلك حتى يوجد ما يجعله راجحاً أو مأمون الضرر مرجو النفع كما تقدم في صورة المشكوك فيه إذا كان احتمال النفع فيه غير راجح ولكنه ممكن وهو مأمون الضرر كالدواء الذي يكون كذلك ولا يعلم الطبيب ما هو خير منه.

وتقسيم المعاني والمعلومات هذا التقسيم هو منطق الأمور بل هو طبيعة موقف الإنسان من كل معنى يطرأ على ذهنه أو يطلع عليه.

ومع ذلك فإنك ستجد  من أصحاب فكرة  أن "المعرفة نسبية" من يقول لك: إن هذه أفكار قديمة، وإن نسبية المعرفة هي النظرية العلمية الأحدث دون أن يقدم لك برهاناً أي برهان على خطأ التقسيم السابق، ويكفي عنده أن هذه أحدث، وكون الشيء أحدث لا يدل على صوابه أو خطئه كما أن الطعام إذا فسد كان طوره الثاني هو الفساد، وطوره السابق هو النفع، وهو الجمال وحسن المذاق.

ولأنه لا قيمة للحداثة إذا كانت فساداً ولا خسة في القدم إذا كان صلاحاً

وأخيراً : ينبغي أن أقول للقارئ العربي والقارئ المسلم وكل إنسان منصف: إن هذا التقسيم للمعاني والمعلومات ـ أو للمعرفة ـ كان من أول ما يدرسه المسلم حين يبدأ بقراءة علم الاستدلال، أو المنطق، أو أصول الفقه

 والحمد لله رب العالمين.

 

 

د . محمود أحمد الزين

 

مختارات من القسم

  1. السلام عليكم فضيلة الشيخ نرجوا منكم تبيين احوال الحلاج هل ...
  2. تفسير سورة البينة
  3. ما حكم الجمع بين الزوجة وخالتها
  4. تفسير سورة التين
  5. قصيدة شتم العظماء حرية السفهاء