22 يناير 2009

العارف بالله السيد النبهان قدس الله سره ( نفحة من عبيره )

 

بسم الله الرحمن الرحيم

نص المحاضرة التي ألقاها الدكتور محمود أحمد الزين في جامع التوبة
بدمشق مع أطيب الشكر للشيخ العلامة الدكتور هشام سعيد البرهاني حفظه
الله على دعوته لإلقاء المحاضرة

العارف بالله

السيد النبهان

قدس الله سره

(نفحة من عبيره)

الحمد لله رب العالمين الذي بعث لهذه الأمة { رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } فكانوا به { خير أمة أخرجت للناس } .

والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا محمد خير من تلا على الناس آيات الله وزكى نفوس من اصطفاهم الله وأفعم قلوبهم من الكتاب والحكمة بأسرار الله .

ورضي الله تعالى عن آله الطيبين الطاهرين وأصحابه قدوة السالكين وأئمة المرشدين ومن اقتفى أثرهم من العارفين المجددين والورثة الأكملين الذين تجلت بهم سنن سيد المرسلين فهي بهم باقية حتى يأتي أمر رب العالمين .

وبعد فإن فلاح الإنسان إنما يكون بتزكية نفسه وخيبته بتدسيتها قال سبحانه وتعالى : { قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها } ومعنى ( زكاها ) : أصلحها وطهرها من الذنوب ، ومعنى( دساها ) : أهلكها وأضلها وحملها على المعصية - كما نقل البغوي في تفسيره - .

والحقيقة أن المعاصي الحسية الظاهرة سببها الأمراض النفسية الباطنة التي تسيطر فيها الغرائز الشهوانية فيندفع الإنسان إلى تحقيق رغائبها ويصطرع مع الآخرين عليها ولا علاج لهذا إلا تزكية النفوس وتطهيرها من هذه الأمراض ، ولذلك كانت التزكية ثلث مهمات الرسول صلى الله عليه وسلم بالإضافة إلى تلاوة آيات الله وتعليم الكتاب والحكمة ، قال تعالى : { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين }. الجمعة/3/

فمن ورث رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الثلاث كان هو الوارث المحمدي حقاً كما كان أئمة الإسلام في الصدر الأول من هذه الأمة المحمدية فلما وجد من لم يتأهل للتزكية ، أصبح اسم الوارث المحمدي شبه خاص بمن تأهل لها أو كانت التزكية هي الشأن الغالب عليه وكان قدوة فيها للراغبين في رضوان الله الفائزين بمقامات حب الله ومعرفة الله .

هؤلاء الرجال لا غنى للأمة عنهم فبدونهم يسيطر عليها إرضاء الأهواء والشهوات فتحتال على آيات الكتاب وتدفع نصوص السنة بالتضعيف والتأويل ويكون العلم عندها وسيلة ضلال لا وسيلة هدى ، وأداة لهو لا أداة سمو ، ومن فضل الله على هذه الأمة أن هؤلاء المرشدون باقون إلى قيام الساعة لا ينقرضون وإن انفضت عنهم أكثرية الأمة وباعدتهم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله ) .

ومن واجب الأمة أن تتعرف على هؤلاء المرشدين وتطلع على صفاتهم وأعمالهم ومناهجهم في الإرشاد والإصلاح و تقتدي بهم وتحذر بسبب معرفتها سلوكهم القويم من الاغترار بأدعياء الإرشاد قطاع طريق الله الذين لا تجني من صحبتهم إلا البعد عن الله .

وقد أكرم الله تعالى الأرض التي بارك فيها للعالمين وهي بلاد الشام بثلة من المرشدين كانت منهم الثلة المباركة التي كانت حول ولي الله الكامل العارف بالله السيد الشيخ محمد الهاشمي التلمساني رضي الله عنه وخليفته الولي النابه صاحب الأخلاق السامية والنفس الطاهرة الصافية : الشيخ محمد سعيد البرهاني رضي الله عنه ، وسيدي العارف بالله الذي شهد له بالمعرفة الكاملة والوراثة الشاملة الأكابر من شيوخه وأقرانه وكل من عرفه وأنصفه من أهل زمانه .

كما كان هو يشهد لأقرانه من أهل الفضائل والكمالات وقد سمعته يقول مرة : ( الشيخ محمد سعيد البرهاني صالح صالح صالح لو آذيته ما كان عنده استعداد لأن يؤذيك ) وهذا صلاح يترقى فوق صلاح الصالحين ثلاث مرات ، ولو قال : لو آذيته لا يؤذيك ، لكان ذلك درجة عالية من سمو النفس في مراقي التزكية ، فكيف وقد قال : لو آذيته ما كان عنده استعداد لان يؤذيك .

أما السيد الهاشمي رضي الله عنه فلا أنقل ثناء سيدي النبهان عليه فثناء القول مهما عظم لا يساوي شيئاً بجانب تلمذته عليه وأخذه الطريق عنه ، وعلى كل حال فالحديث الآن ليس عن شيوخ سيدي النبهان ولا عن أحبابه وخصائصه بل الحديث عنه خاصة والحديث عنهم حق للأمة على من يعرفهم ممن كان قريباً منهم لا على من قلت معرفته بهم مثلي .

والحديث عن سيدي النبهان وفضائله وخصائصه ومواقفه قد يستغربه بعض الناس ويحسبه مبالغة من تابع دعاه الإعجاب والمحبة إليها فشيوخه وأقرانه بل كبار تلاميذه انتقلوا إلى الدار الآخرة والأحداث التي ظهرت فيها مواقفه الكبرى قد انقضت أيامها وقل الباقون من شهودها .

ومن أجل ذلك سألجأ أولاً إلى نقل ما قاله شيوخه رضي الله عنه وعنهم بل أبدأ بنقل كلام الكتب المؤلفة التي تعرضت لذكر شيء من ذلك وكتبها رجال لم يكونوا من تلاميذه فهي أقرب إلى الطمأنينة وإن كانت سيرة كل الأكابر إنما يكتبها أصحابهم وأتباعهم القريبون منهم ، فإذا اطمأن القارئ إلى ما قاله هؤلاء العلماء ذكرت له ما نقله تلاميذ السيد النبهان عن أشياخه وأقرانه ليبني هذا النقل الجديد على أساس ذلك المنشور السديد .

فمن أقدم ذلك كلام الشيخ سعيد الكردي الأردني رحمه الله في كتابه ( الدر الفريد في ترجمة الجنيد ) والشيخ سعيد هو أحد الذين أذن لهم الشيخ الهاشمي رحمه الله بنشر الطريقة الشاذلية وتربية السالكين فيها حيث ذكر الشيخ سعيد الكردي في كتابه هذا ص /130/ جماعة من العلماء القائمين بالإرشاد ، فقال فيهم :( صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلاً قاموا بواجب الطريق حق القيام كسيدي العارف بالله أبي كمال الشميساني وسيدي العارف بالله الشيخ جودت العمري وسيدي العارف بالله الشيخ محمد النبهان الحلبي . . . ) .

وقد طبع كتابه هذا بدمشق سنة /1368 / هـ ومكانة الشيخ الهاشمي رضي الله عنه بين المرشدين إلى الله أسمى من أن تحتاج إلى بيان ومن كان لا يعرفه يمكنه التعرف عليه من خلال الكتاب المذكور ولا يرتاب عاقل أن شهادة الشيخ الكردي رحمه الله متأثرة بشيخه قدس الله سره وقد سجلها قبل وفاة شيخه بأكثر من عشر سنين .

علماً بأن سيدنا محمداً النبهان قدس الله سره لم يطلب من الشيخ رضي الله عنه أن يكتب له إجازة في الطريق - كما اعتاد أهل الطريق - اكتفاءً بعلم الله فيه فشهادة رجال الطريق له هي شهادة بذلوها لله وعرفاناً بالحق لصاحبه .

وكذلك جاءت شهادة أخرى مؤكدة لهذه كتبها الشيخ عبد الباسط بن الشيخ محمد أبي النصر خلف رضي الله عنه في نص إجازته في الطريقة النقشبندية لأستاذنا الشيخ أديب حسون رحمه الله كما سجله أستاذنا في كتابه ( آلاء الرحمن على العارف النبهان ص 109 - 110 ) حيث ذكر الشيخ عبد الباسط رحمه الله أنه كتب الإجازة بإشارة (الأخ الكبير العارف بالله الشيخ محمد النبهان ) وشهادة الشيخ عبد الباسط رحمه الله بكلمة : المرشد الكبير قائمة على ما عرفه من حال السيد النبهان قدس الله سره حين كان مريداً عند والده أيام الشباب وعلى ما عرفه عنه بعد ذلك على امتداد صحبتهما ومودتهما مابين وفاة والده وكتابة الإجازة لأستاذنا قبل وفاة سيدنا بقليل وهذا الكتاب - وإن كان مؤلفه تلميذاً للسيد النبهان قدس الله سره - فقد نشره في حياة الشيخ عبد الباسط رحمه الله قبل وفاته بفترة طويلة .

هذا وأهلية الإرشاد تختلف من مرشد إلى آخر ، وكلما كان الإرشاد بالحال أعظم كانت منزلة المرشد أكبر وكان موضع تقدير العلماء واهتمامهم وثنائهم عليه وكذلك كانت نظرة العلماء الصالحين إلى السيد النبهان قدس الله سره ، كما حدثني فضيلة الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي عن زيارة والده الشيخ رمضان البوطي رحمه الله لسيدنا محمد النبهان قدس الله سره ، وذلك بصحبة الشيخ عبد الوهاب الحافظ المعروف بالشيخ عبد الوهاب دبس وزيت رحمه الله تعالى والدكتور عالم فاضل مشهور ما يزال حياً يمكن أن يرد علي لو أخبرت عنه بغير ما سمعت فلذلك نقلت عنه في هذا الموضوع الذي قلت إنني اذكر فيه ما نشره العلماء بأنفسهم ، فقد سألته مرة ونحن في مدينة الشارقة في الإمارات العربية عن ما كتبه على الورقة الأولى من كتابه ( باطن الإثم ) حين أهدى نسخة منه لسيدي النبهان رضي الله عنه : (إلى فضيلة المربي الجليل الشيخ محمد النبهان مع عظيم التقدير ) ، قلت : هل قابلته ، قال : (لا ولكن زاره أبي فحدثني عن مناقبه ) ، وفي لقاء آخر قال الدكتور لي : ( أنا لم ألتق به ولكن أحبه ) .

والإرشاد إلى الله تعالى الذي ذكره أولئك العلماء الأفاضل كان عند السيد النبهان قدس الله سره أهم شؤونه لا يدع مناسبة ممكنة لبثه إلا اغتنمها يبذله لكل راغب في أي مكان وفي كل زمان عدا مجالس الذكر والتذكير في الأوقات المخصصة لذلك ، وهذا الذي تحدث عنه أولئك العلماء الأفاضل من علو مقام السيد النبهان قدس الله سره أمر ظهرت آثاره عليه ورآها أكابر العلماء فسجلها بعضهم فيما ألف كما فعل الشيخ أبو الحسن الندوي رحمه الله وهو من علماء الهند الأكابر وكبار اللدعاة وأهل الطريق وذلك حين زار سيدنا محمداً النبهان قدس الله سره فقال في كتابه ( مذكرات سائح في الشرق العربي )ط3 ص / 337 / : ( كان مما يستحق التسجيل في هذا اليوم زيارة الشيخ محمد النبهان في بيته وهو يتميز بقوة إيمانه وتأمله في القرآن ويظهر أنه من طراز خاص يفتح عليه في الدين ويتكلم فيه عن يقين ) .

وليتأمل القارئ المنصف المتبصر في هذه الكلمات : ( يتميز بقوة إيمانه ) ولكي يفهم مراد الشيخ لا بد أن يلاحظ أن هذا التميز مراد به التميز بين العلماء والصالحين لا بين الأفراد العاديين فكثير من أهل العلم يتميز على الناس العاديين في قوة الإيمان ولا يلفتون نظر عالم كبير فيستحقون أن يسجلهم في مذكراته .

والكلمة الثانية : ( أنه يتميز بتأمله في القرآن ) وكل عالم وكل صالح يتأمل في القرآن ولكن الذي يتميز بينهم في هذا المجال ويستحق أن يسجله العالم في مذكراته إنما هو الذي يكون عنده ما ليس عندهم و إلا فماذا يكون معنى التميز ؟

وقد كشف الشيخ أبو الحسن عما يعنيه بهذا التميز في بقية كلامه ، فقال : ( ويظهر أنه من طراز خاص يفتح عليه في الدين ويتكلم فيه عن يقين ) أي هو من أهل الخصوص بين العلماء والأولياء وما عنده من مفاهيم التأمل في القرآن هو فتح إلهي لا يكون بالدراسة والتحصيل إنما يهبه الله هبة لخاصة عباده الذين يتميزون بالمقامات العليا من التقوى ، ولذلك كان يتكلم عن يقين لا يشوبه الظن الذي ترجحه العلماء بالأدلة ويقبل الخطأ كما يقبل الصواب .

وقد التقى السيد أبو الحسن رحمه الله بسيدنا قدس الله سره مرة أخرى في المدينة المنورة زاره سيدنا قدس الله سره في موضع إقامته هناك وهو منزل في حديقة وكانت أرض الحديقة قد تناثرت فيها أوراق الشجر وطفت بعض الطحالب على وجه بركتها فلما قام السيد أبو الحسن لبعض شأنه في الداخل رجع فرأى الحديقة والبركة قد نظفهما سيدنا قدس سره ومرافقوه من مريديه فقال لسيدنا قدس الله سره : " إني كنت أقول إن التصوف يعوّد أهله على الخمول وأنت عرفتني الآن عملياً أن الصوفي هو أنشط الناس " قال سيدنا قدس الله سره : ( ذاك الخمول هو شأن المتصوف ) أي الذي يتكلف التصوف ، وكان هذا سنة /1385 / هـ

وقد سمعته من الشيخ أبي الحسن في الدار نفسها سنة /1403 / هـ مع أخويّ الكريمين الشيخ عثمان العمر بارك الله فيه والشيخ محمد الويسي رحمه الله وليتأمل المنصف هذا التصحيح للمفاهيم المهمة في حياة الأمة التصحيح الذي يعرف قيمته أمثال الشيخ أبي الحسن رحمه الله .

وكذلك قال لي فضيلة الشيخ عمر بن حفيظ الحضرمي بارك الله فيه حين سألته : ماذا سمعت من الحبيب الشيخ عبد القادر السقاف عن زيارته لسيدنا محمد النبهان قدس الله سره فقال : لا أتذكر عبارة معينة بعد هذا الزمن الطويل ( يعني بين عام الزيارة /1973/ م ويوم سؤالي /2007/ م ) ولكني أتذكر أن الحبيب عبد القادر السقاف كـان [ متملي به ] فســألت الحبيب علياً الجـفـري ما مـعـنى هذه العبارة فقال : يعني ( كان ممتلئاً بالإعجاب به ) وكذلك ذكرت كلام الشيخ عمر لأنه من العلماء الأفاضل الموثوقين وما يزال حياً والحبيب عبد القادر السقاف بارك الله في عمره وأنواره من أكبر و أشهر رجال التصوف المشهود لهم بعلو المكانة في الحجاز وحضرموت وغيرهما وهو لا يزال حياً عند كتابة هذه الكلمات وقلت للحبيب علي الجفري بارك الله فيه : هل سمعتم من الحبيب عبد القادر السقاف شيئاً عن زيارته لسيدنا محمد النبهان قدس الله سره في حلب فكتب إلي في ورقة هي عندي بتوقيعه أنه سمعه يقول : ( دخلنا على الشيخ محمد النبهان رحمه الله في حلب فوجدناه من الأكابر واستشهدنا له بأبيات ( الشيخ عمر بامخرمة ) التي لوح فيها بذكره وحصلت لنا به أنسة ، وجئنا في المرة الثانية إلى حلب وقد توفاه الله فزنا قبره فوجدناه قبراً عليه نور ) .

وهذا التميز الذي شهد به أولئك العلماء الصالحون الأفاضل لم يظهر في باب الإرشاد وحده - كما اعتاد الناس أن يروا المرشد إلى الله مختصاً بالتعبد والزهد والأخلاق ويتجنب معترك الحياة و صراعات أهل الإيمان مع مخالفيهم لضعفه عن ذلك ولا يكلف يكلف الله نفساً إلا وسعها - بل كان السيد النبهان قدس الله سره يقف المواقف الدالة على سمو مقامه يقول كلمة الحق في أهم الأحوال وأخطرها أمام كل ذي سلطان ولا يخشى في الله سلطة بشر وهذا ما سجله الأستاذ سعيد حوى وهو ليس من أتباع السيد النبهان قدس الله سره سجله في كتابه ( هذه شهادتي وهذه تجربتي ) ص 17 ( حين كتب نقداً للدستور الذي كان مطروحاً للاستفتاء في سورية وطلب من العلماء أن يوقعوا عليه ليقدم إلى رئيس الدولة فلم يجرؤوا على التوقيع حتى رأوا توقيع السيد النبهان قدس الله سره في رأس القائمة ) .

وعلق الشيخ سعيد حوّى على ذلك بقوله : ( لم يكن عندنا في سورية أجرأ من الشيخ محمد النبهان في حلب ... وقد تأخر جواب شيوخ حلب عدة أيام ثم جاء أحدهم ومعه الفتوى والبيان موقعين من ثلاثة عشر شيخاً هم أكابر الشيوخ في حلب وكان الذي جرأهم على التوقيع هو اسم الشيخ محمد النبهان حينما رأوه على البيان والفتوى ) .

ومثل هذا الموقف لا يقوم بحقه إلا من هو في مقام الشهداء بل في مقام سيد الشهداء كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم والشهادة مقام عند الله عظيم والسيادة فيها أعظم وكون العالم قدوة في ذلك للعلماء أعظم وأعظم وقد قرن الله الشهداء في قرآنه الكريم بالصديقين .

كان هذا الموقف من السيد النبهان قدس الله سره في وقت كان فيه أدعياء العلم والطريق يتهربون ويجاملون زاعمين أنه لا علاقة لهم بالسياسة فالسياسة شغل أهل الدنيا ، وهذا جبن فاضح يتستر بجهل أشد فضيحة لأن العلم والطريق يمنعان صاحبهما من استغلال السياسة للمناصب الدنيوية ومكاسبها ولا يمنعانه من التصدي للسياسيين ممن لا يعطي دين الله حقه في الحياة فهو يتصدى لهم تأييداً لدين الله وحفاظاً عليه دون أن يكون له من ذلك كسب دنيوي وإنما يؤيد أقرب السياسيين للدين وأنفعهم للمسلمين .

وحين يجد من السياسيين المعارضين لدين الله موقفاً سيئاً يتصدى لهم بكل ما أتاه الله من الوسائل غير هياب ولا متردد ولا منتظر عون أحد من البشر كما فعل حين كتب أحد الضباط في إحدى المجلات سنة /1967/ م ما فيه استهانة بالله ودينه فوجه الناس والتجار إلى إضراب عم مدينة حلب وذلك زمن الأتاسي وجماعته .

وهذا الموقف وذاك من السيد النبهان قدس الله سره لم يكن حادثة عابرة دعت إليها ظروف مساعدة بل كان ذلك هو شأنهم الدائم كما شهد بذلك وسجله في صحيفة الشهاب اللبنانية سنة /1956/ م الأستاذ فتحي يكن جزاه الله خيراً تحت عنوان ( من كل قطر رجل ) حيث قال : [ من سورية : الشيخ محمد النبهان يعرفه الناس رائداً من رواد التصوف الكبار ولكنهم لم يفتقدوه في كل موقف فيه نصرة الإسلام بل هو دائماً في الطليعة ] .

وهذه المواقف في نصرة دين الله والعمل لخدمته قد عرفت عند العلماء والكتاب وسجلوه في مؤلفاتهم الخاصة عن العلماء فقد ألف الشيخ عبد الرحمن حبنكه رحمه الله كتاباً عن والده الشيخ حسن رحمه الله تعالى وحين تحدث عن دوره رحمه الله في رابطة العلماء ذكر ( ص 193 ) أنه فتح لها ( فرع في حلب كان في قياداته الشيخ محمد النبهان ) وقد زرت الشيخ حسناً رحمه الله تعالى سنة /1973/ م فسمعته يقول : قلت للشيخ محمد النبهان إن الله قد وضع لك القبول في القلوب .

وهذه المواقف عرفت أيضاً بين الكتاب والمؤلفين للمناهج الدراسية حتى سجلها بعضهم في مقررات الدراسة التاريخية في الثانويات السعودية في فترة السبعينات / 76 - 77 / وما بعدها من القرن العشرين ومطلع القرن الخامس عشر الهجري فذكروا أعمال السيد النبهان قدس الله سره ضمن ( الحركات التي قامت بخدمة الإسلام في بلاد الشام ) ص 285 من الكتاب .

بل إن بعض العلمانيين الذين تصدى لهم سيدنا قدس الله سره تحدثوا في مذكراتهم بغيظ شديد عن هذا التصدي كما فعل زعيم الحزب الاشتراكي العربي في مذكراته عن عام /1956 / م وذكر أن سيدنا قدس الله سره جمع العلماء وأهل الدين في مظاهرة سارت في مدينة حلب حتى الجامع الأموي وتحدث فيه العلماء عن مفاسد هؤلاء ومبادئهم التي يدعون إليها ويخدعون الناس بها .

وانظر إلى هذا الجمع في شخصية السيد النبهان رضي الله عنه بين سمو الريادة في إرشاد الخلق إلى الخالق عز وجل وبين القيام في الطليعة دائماً عند نصرة الإسلام وبين نشر العلم على أوسع نطاق ممكن كما يأتي بيانه إن ساء الله تعالى .

وهذه النصرة للإسلام في المواقف العصيبة كما لم تشغل السيد النبهان قدس الله سره عن القيام بمهمات إرشاد السالكين إلى الله تعالى لم تشغله أيضاً عن تفقد الفقراء والمساكين فقد أنشأ جمعية النهضة الإسلامية في حلب وظلت هذه الجمعية عشرات السنين تمد يد العون إليهم في كل مجال ، وتعين أبناءهم وبناتهم على الدراسة والعلم وهذا أمر إن لم يذكر في كتاب فهو مما يشد به كل من كان على صلة بهذه الجمعية البارة بالفقراء والمساكين بل يكاد ألا يجهلها أحد من أهل حلب ومع ذلك فإن السيد النبهان رضي الله عنه كان لكثرة إنفاقه الخاص خارج الجمعية لا يبقى عنده شيء بل يستدين وينفق ، ولا يقال إن الاستدانة للإنفاق لا تجوز فإن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك حين استدان من زيد بن سعنة الحبر اليهودي ليتصدق وكان قصد زيد من إعطاء النبي صلى الله عليه وسلم الدين أن يؤذيه ليرى حلمه الذي هو من صفة النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه لا يغضب لنفسه ) فلما احتمله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يغضب دخل في الإسلام .

وإنما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أن يموت الإنسان ولا يترك من الميراث قدر ما يكفي وفاء دينه وقد أذن في الدين لحوائج الدنيا والإنسان لا يدري متى يموت فلو كان الدين ممنوعاً قبل الموت ما جاز لأحد أن يستدين وإذا جاز الدين للدنيا فهو للآخر أحق وقد ترك سيدنا قدس الله سره ما يكفي لوفاء ديونه تلك وأكثر .

وكذلك لم تشغله نصرة دين الله في المواقف العصيبة ولا رعاية الفقراء والمساكين عن نشر العلم وإرشاد طلابه إلى الله فقد أنشأ دار نهضة العلوم الشرعية وآثارها في الحفاظ على الإسلام والدعوة إليه مشهودة معروفة لكل من زار حلب أو رأى الأرياف التي حولها وقد كانت من قبل تكاد تخلو من العلم ولاسيما الجهات التي لم يكن فيها إلا الغارات وحروب الثأر فإذا الكبار يقبلون على السيد النبهان سالكين والأبناء يؤمون مدرسته متعلمين حتى عادت حياة الإيمان إليها من جديد وآثار هذه المدرسة مشهودة معروفة لكل من لقي طلاب السيد النبهان قدس الله سره في سورية والمشرق العربي كله ولا يضير هذا المعهد الذي أسسه السيد النبهان قدس الله سره أن ينحرف عن جادته بعض خريجيه نادرا فهذا يكون في خريجي كل المعاهد ولكن لينظر المنصف إلى القائمين منهم بحقوق العلم والتقوى خير قيام وهم الأكثرون . وقد افتتح سيدنا قدس الله سره أيضا في الكلتاوية مدرسة شرعية للبنات فيها قسم للدراسة مدته ست سنوات وقسم مهني فيه بعض الدراسة الشرعية المهمة مدته سنتان ، وقبل أن يفتتح سيدنا قدس الله سره مدرسته دار نهضة العلوم الشرعية كانت حلقات العلم في مسجده جامع الكلتاوية متواصلة ، وقد اقتدى بالسيد النبهان قدس الله سره أتباعه من علماء العراق فأقاموا مدرسة الحضرة المحمدية في مدينة الفلوجة .

وإذا تأمل القارئ المنصف هذا الذي سبق - من شهادات العلماء والصالحين ، والمواقف الكبرى في نصرة دين الله ، والجهود العظيمة في نشر العلم والرحمة المثلى بالفقراء والمساكين وكل ذلك من تجليات الورثة المحمدية - لم يستبعد أن أنقل له ما نقله أحد أتباع السيد النبهان قدس الله سره وهو الحاج محمود مهاوش رحمه الله وهو من علماء العراق وأهل الطريق فيه كلمة السيد العارف بالله الشيخ محمد الهاشمي رضي الله عنه حين أخذ عنه السيد النبهان قدس الله سره الطريقة الشاذلية ، فقال للشيخ محمود مهاوش : ( الشيخ محمد النبهان أمره عجيب ، ما رأينا مثله ماجمعناه في أريعين سنة أخذه في مجلس واحد .(1)
 وكذلك علق العارف بالله السيد الهاشمي قدس الله سره على رسالة أستاذنا الدكتور محمود فجال التي أرسلها إليه وهو في مطالع شبابه فقد أخبرني أستاذنا حفظه الله أنه كتب إليه يسأله أن يكون من مريديه ، فقال السيد الهاشمي رضي الله عنه : (  صاحب هذه الرسالة يترك البحر ويبحث عن الساقية) ، فقال الشيخ عبد اللطيف مشلح رحمه الله وهو من علماء حلب وكان حاضراً : سيدي من البحر ومن الساقية؟ قال :  الشيخ محمد النبهان البحر وأنا الساقية . (2)

ومن قبل الشيخ الهاشمي رضي الله عنه قال الولي الشهير الشيخ أبو النصر خلف رضي الله عنه لسيدنا النبهان قدس الله سره وهو شيخه الأول في الطريق إلى الله تعالى قال للسيد النبهان وهو في شبابه سالك عنده : ( أنت أخذت قلبي ) وقال له في مرة أخرى : ( أنت ابن العناية الإلهية ) بل قال له : ( إني أعلم أنك سبقتني ولكني أحب أن تأتي لعندي لأجلي لا لأجلك ) وما ذلك إلا لما وجد فيه من النجابة في التوجه إلى الله تعالى فقد كان عنده في مجلس الذكر مأخوذاً دائماً بالله لا يشعر بانتهاء مجلس الذكر حتى ينبهوه كما أخبرنا أستاذنا الشيخ أديب حسون وقد كان من مريدي الشيخ أبي النصر مما دعاه إلى أن يتتلمذ على سيدي النبهان بعد ذلك . ولم يكن أستاذنا من بين تلاميذ الشيخ أبي النصر رضي الله عنه وحيدا في اتباعه لسيدنا قدس الله سره بل كان جماعة من زملائه معه كما سمعت ذلك من أستاذنا أيام الدراسة في الكلتاوية وآخرون كانوا كثيري الحضور عنده في مجلس الذكر كالشيخ ناجي أبو صالح أو مجلس المذاكرة كالشيخ كامل السرميني أو مجالسه الخاصة كالشيخ أحمد المصري رحم الله الجميع .

وكما كان محبوباً معتقداً به عند أصحابه كان كذلك عند شيوخه وقد أخبرني أستاذنا الشيخ عبد الرحيم الحوت رحمه الله أن الشيخ أسعد العبجي كان يحضر دائما إلى الكلتاوية ليقرأ عليه سيدنا قدس الله سره العلوم الشرعية وظل كذلك زمناً طويلاً بعد عودته من الدراسة بمصر وكذلك كانت المودة كبيرة بينه وبين شيخه الشيخ نجيب سراج الدين وكان يزور شيدنا وسيدنا يزوره كما ذكر ذلك أستاذنا الشيخ أديب حسون في كتابه " آلاء الرحمن " .

وكان كل شيوخ السيد النبهان رضي الله عنه من علماء وصالحين وأولياء وكذلك كل معارفه ومعارف والده يعلمون أنه بدأ السير إلى الله تعالى بزهد عظيم في الدنيا لا يوازيه زهد حيث كانت أموال أبيه الطائلة جداً في يديه وكانت الزعامة في الدنيا تسعى إليه وهو ما يزال في ريعان الشباب فترك ذلك كله وانشغل عنه بالعلم والسلوك إلى الله تعالى وعاش في فترة سلوكه على كسيرات الخبز اليابس حتى كان كأنه جلد وعظم فقط ولبس المرقع من الثياب حتى كان ثوبه أكثره رقع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( ازهد في الدنيا يحبك الله ) فهو من أحباب الله من أول قدم له في العلم والطريق .

وقد عاش السيد النبهان رضي الله عنه بعد ذلك حياته كلها زاهداً في الدنيا زاهداً محمدياً أي : لا يتجنب كسب الدنيا زهداً فيها ولكن يكسب منها أوسع الكسب ويهبه للفقراء والمساكين وكل ذي حاجة وقد بنى بيوتاً للكثيرين منهم ولقي الله تعالى وهو في بيت بالإيجار بل كان لا يقف عند إنفاق ما بيده وإنما يستدين وينفق كما تقدم .

وكانت الدنيا لا تساوي عنده شيئاً ولا تشغل من باله شيئاً كما ظهر ذلك حين أخبروه - وهو يلقي درسه - أن أرضه أغرقها السيل وكانت مبذوراً فيها أربعون طناً من القمح فلم يزد على أن قال قدس الله سره : الحمد لله وتابع الدرس بشكل طبيعي جداً بل قال بعد ذلك : لقد راقبت قلبي عند مجيئ هذا الخبر ولو تحرك شعرة لما عددت نفسي من المسلمين وكان دائما يقول :( الرزق من عند الله لا من العمل وإنما نعمل امتثالا لأوامر شريعة ربنا سبحانه وتعالى ) ومن كان قلبه مع الله هكذا هان عليه إنفاق ما بيده حتى يستدين .

وقد أخبرني الحاج حسن دانيال وهو تاجر مشهور في حلب وكان قد وضع نفسه وسيارته في خدمة سيدنا النبهان قدس الله سره أخبرني أن سيدنا كان يدعوه أول كل شهر فيخرجان فور الانتهاء من صلاة الفجر ومع سيدنا محفظة فيها ظروف مغلقة يوزعها سيدنا قدس الله سره بنفسه على عائلات مستورة يطرق الباب برفق ويناولهم الظرف ويرجع إلى السيارة وكان يقول للحاج حسن : لا تذكر هذا لمخلوق ما دمت حيا .

والشجاعة العظيمة التي سبق الحديث عنها هي شجاعة محمدية أيضاً ، محمدية من حيث أنها لا تهاب مخلوقا أيا كان ، محمدية في تفوقها لا يجاريه فيها أحد ، محمدية في أهدافها تنصر الحق وتقمع الباطل وتتصدى للزعماء والرؤساء الذين يسيئون للدين أو يتجاوزون حقوقه ، محمدية في اقترانها بالتواضع العظيم والرحمة الشاملة مع أن أكثر الشجعان تعتادهم القسوة وتغلبهم الكبرياء والعصبية والاستهانة بالآخرين .

أما العصبية فلم تعرف إليه سبيلاً كيف وهو الذي صارح والده بأنه سيشهد ضده في خصومة وقعت بينه وبين بعض الناس وأبى أن يتوسط لابنه السجين عن طريق صديقه الشيخ معروف الدواليبي رئس الوزراء بينما أرسل إلى محافظ حلب حين سجن بعض العلماء لقول كلمة الحق على منبر الجمعة : ( إذا لم تخرجهم من السجن اليوم فسأقلب الكرسي على رأسك ) فسارع بإخراجهم واعتذر .

أما تواضعه فكثير من الناس يجهلونه لأنه كان قدس الله سره ذا هيبة عظيمة ولا يعرفه إلا من خالطه كما جاء في شمائل النبي صلى الله عليه وسلم : ( من رآه بديهة هابه ومن خالطه معرفة أحبه ) وقد كان تواضعه عظيماً مع هيبته .

فمن تواضعه : ما أخبرني به أخونا الكبير الشيخ مطيع الحافظ عن الحاج ابراهيم شقير ( الذي كان رفيق الشيخ في زيارته لحلب): أن الشيخين الفاضلين ملا رمضان البوطي وعبد الوهاب الحافظ ( دبس وزيت) لما زارا السيد النبهان قدس الله سره قام بنفسه على ضيافتهما ولم يرض أن يقوم بذلك تلاميذه وأن الشيخ عبد الوهاب توضأ فلما أراد أن يلبس جوربه أبى السيد النبهان قدس الله سره إلا أن يلبسه إياه بيده ومع ذلك كان لا ينسب إلى نفسه الفضل في ذلك بل كان يقول دائماً : ( من أنا حتى يجعلني الله خادماً لعبيده ) . (3)

وقد رأيت صورة رسالة كان الشيخ عبد الوهاب رحمه الله أرسلها إلى سيدنا قدس الله سره وهي عند أستاذنا الدكتور محمود فجال حفظه الله وفيها يخاطب سيدنا قدس الله سره بقوله : ( سيدي مربي السالكين ومرشد الكاملين المستمد من بحر سيد المرسلين المربي الكبير العلامة الأستاذ الشيخ محمد أفندي حفظه الله المعيد المبدي آمين السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد تشرفنا بزيارتكم في محلكم المبارك لا زال ولا يزال إن شاء الله عامراً بالإرشاد والمواعظ ونشر العلم والفضيلة بوجودكم ونسأله تعالى أن يديم نفعكم وأن يمدنا من أنواركم وبركاتكم ويحشرنا جميعاً تحت لواء سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ) .

ومن رحمته قدس الله سره أنه كان دائم الدعاء لمن يؤذونه يقول : ( رب اغفر لهم وارحمهم ولا تؤاخذهم فإنهم لا يعلمون ) وقد سمعت ابنه عبد الله أبا الشيخ رحمه الله تعالى يتحدث أن بعض الأشرار كان يسكن قريباً من بيت سيدنا قدس الله سره فادعى عليه عند الشرطة أنه سرق له قمحا سليقاً كان على السطح وجاء الشرطة ليحققوا فاستحيوا من سيدنا قدس الله سره فألح سيدنا قدس الله سره أن يقوموا بالمهمة التي جاؤوا لأجلها وهي تفتيش البيت وظهر كذب الادعاء قال ابن سيدنا رحمه الله :إنه في تلك الليلة لم ينم سيدنا قدس الله سره طول الليل وهو يبكي ويقول :(رب اغفر لهم وارحمهم ولا تؤاخذهم فإنهم لا يعلمون ) والمواقف في هذه الرحمة الشاملة أكثر وأكبر من أن تحيط بها الكتابة وكان هذا الدعاء سنة ماضية في حياته كلها وكان ينصح به أتباعه.

فهذه الرحمة تقرب للناس في العصر الحاضر صورة الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو يقول لربه عز وجل عمن يؤذونه : (اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون )وهذا من وراثة المصطفى صلى الله عليه وسلم وبدلا من أن ينظر إلى من يؤذونه نظرته إلى الحاسدين الحاقدين كان يقول : (هؤلاء يحركهم الله علينا لنرجع إليه ولا نتوجه إلا إليه) بل كان منذ أيام سلوكه في الطريق يدعو بعد كل صلاة لجماعة من زملاء الطريق أكثروا من إيذائه يدعو لهم بأسمائهم كما سمعت ذلك من شريط مسجل بصوته ـ فقال : قال لي أخي الشيخ أحمد المصري رحمه الله : ( لماذا تدعو لهم ، هؤلاء حساد ) فقلت له : ( أنت تقول ذلك ، أنا أقول هؤلاء هذبوني جزاهم الله خيراً ) .

وكان يقول دائما : ( المحرك والمسكن هو الله ولا شيئ يرفعكم عند الله مثل الابتلاء "أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل " وكان يقول كثيراً :( إذا عرفتم أن المبتلي هو الحكيم الذي يضع كل شيء في موضعه وأنه ابتلاكم لأنه يحبكم وأن ثمرة الابتلاء هي الترقية سهل عليكم الابتلاء ) .

وهذا ليس مجرد رضاً بالابتلاء من الله تعالى بل هو سرور به وإعظام و إجلال وحب للمبتلي سبحانه وتعالى .

أفلا يرى المنصف أن صفات السيد النبهان قدس الله سره كانت كما اتضح من نماذجها السابقة على سنة الكمالات المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية في عمقها وقوتها وتنوعها وشمولها وأن ذلك شاهد صدق عظيم على أنه في الدرجات العلى من مراقي الوراثة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام والتحية وأن هذا الشاهد أقوى من شهادة كل شاهد من الناس بل كان الناس يعتمدون على شهادته في معرفة أقدار العلماء والصالحين فكيف وقد انضمت إلى شمائله شهادة كبار العلماء والصالحين والأولياء .

ومن هذه الشهادات ما قاله الشيخ مكي الكتاني رضي الله عنه المغربي الأصل الدمشقي الموطن في مجلس كان العلماء يتشاورون فيه حول قضية مما يهم المسلمين والسيد النبهان قدس الله سره جالس صامت فقال الشيخ مكي رحمه الله تعالى : ( أنا ما جئت من دمشق إلى حلب لأسمع قول فلان وفلان إنما جئت لأسمع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم على لسان السيد النبهان ) كما روى أستاذنا الشيخ منير حداد رحمه الله تعالى .

وقريب من كلمة السيد الكتاني رحمه الله كلمة الشيخ ياسين سريو

- مؤقت الجامع الأموي بحلب وكان معروفاً بالولاية رضي الله عنه - حيث قال بعدما سمع كلام سيدنا قدس الله سره أول ما فتح الله عليه : ( هذا ترجمان الحضرة الإلهية ) وقد سمعتها من أستاذنا الشيخ بشير حداد رحمه الله تعالى . ومن عجائب تأثير سيدنا قدس الله سره في قلوب الصالحين ما سمعته من أستاذنا الدكتور محمود فجال حفظه الله أن شيخ الطريقة الرشيدية في حلب الحاج عبد الحميد المهندس رحمه الله أتى بمريديه إلى حضرة سيدنا قدس الله سره وقال لهم : يا أبنائي أريد أن أبرئ ذمتي أمام الله تعالى من أراد السير إلى الله فهذا هو المرشد الكامل فاتبعوه .

وهذا المستوى الباهر هو الذي جعل أستاذه مفتي الشافعية في حلب الشيخ أسعد العبجي رحمه الله لا يكاد يغيب عن دروسه ومجالس الذكر عنده وينصح من يصغي إليه من تلاميذه بصحبة السيد النبهان رضي الله عنه وقد قال لأستاذنا الشيخ نذير حامد حفظه الله أول ما رآه عند سيدنا قدس الله سره : احرص على الحضور فإني أحضر هنا لأستفيد ، كما أخبرني بذلك أستاذنا الشيخ نذير نفسه .

وهذا المستوى جعل مفتي بغداد الشيخ قاسماً القيسي رحمه الله يأتي إليه ليسلك إلى الله على يديه وقد سمعت الشيخ محموداً المهاوش الكبيسي رحمه الله تعالى وكان من أحباب الشيخ القيسي يحدث سيدنا محمداً النبهان قدس الله سره بأنه سمع الشيخ القيسي يقول قبل موته بفترة إن الله تعالى وهبه رتبة الأبدال بفضل إتباعه لإرشاد السيد النبهان .

وهذا المستوى دعا علامة العراق الشيخ عبد العزيز السالم السامرائي إلى أن يتتلمذ في الطريق إلى الله على يد السيد النبهان قدس الله سره وجعله يستشهد بكلامه على المنبر كل يوم جمعة وهو من أركان العلم الكبار وكان مدرسة إسلامية كاملة وحيثما أقام من البلدان تكونت به مدرسة تنشر العلوم الشرعية بين محبيها .

وهذا المستوى الباهر هو الذي جعل أحد مريديه وهو الشيخ محمد عبد الله الفياض الكبيسي رحمه الله - وهو أمي - يأخذ بقلوب العلماء إذا سمعوا كلامه وهو أمي حتى قال الشيخ عبد الحليم محمود شيخ الأزهر حين زاره وسمع كلامه : هذا الكلام كلام العارفين ، فيقول الشيخ الفياض : العارف بالله هو سيدي النبهان في حلب قدس الله سره .

وهذا المستوى جعل الشيخ الخضر حسيناً حين زار سيدنا قدس الله سره يستمع كلامه باستغراق عجيب ويشيد بذكره بعد ذلك بين العلماء كما أخبرني أخي الكبير الشيخ محمد نبيه سالم عن والده الشيخ نجيب سالم رحمه الله أنه حضر عند سيدنا النبهان قدس الله سره حين زاره الشيخ الخضر حسين رحمه الله سنة /1937 م / قبل أن يصير شيخاً للأزهر ، قال الشيخ نجيب رحمه الله : دار الحديث بينهما فتحدث الشيخ الخضر عن العلم فلما أنهى حديثه بدأ سيدنا محمد النبهان قدس الله سره يتحدث في المعرفة الإلهية فلم يمضي إلا خمس دقائق حتى أطرق الشيخ الخضر حسين رحمه الله وعقد يديه كهيئة الصلاة وظل على ذلك من بعد صلاة العشاء قليلاً إلى صلاة الفجر .

وقبل أن أنهي هذه الكلمة أجدني مضطراً للإجابة على سؤال تعود الناس أن يسألوه وهو السؤال عن الكرامات فأقول : بالرغم من أن السيد النبهان رضي الله عنه لم يكن يعول على الكرامات كثيراً ويردد دائماً أن الاستقامة هي عين الكرامة فقد كان يذكر أيضاً أن الخاصة من أولياء الله لا يحرصون على الكرامة ولكن الله يجريها عليهم بفضله .

وسأذكر إن شاء الله من الكرامات شيئاً يسيراً يدل على ما وراءه ، أذكره لأني رأيته بنفسي فضلاً عما سمعته من أصحاب سيدنا كباراً وصغاراً فمما أذكره : أنه كانت لي أخت مصابة بمرض عصبي شديد تفقد به السيطرة على تفكيرها وكلامها وأعمالها وكان متقطعاً يعاودها بين فترة وفترة وقد ظلت فيه نحواً من عشر سنين وقد أعجز الأسرة شأنها من علاجات وغيرها فأتينا بها إلى السيد النبهان قدس الله سره وهي في أشد أحوال المرض فأشار غليها من بعد وهو يقول : ( بسم الله الرحمن الرحيم ) فشفيت على الفور بأذن الله تعالى ولم يعاودها المرض إلى بعد سنوات وأخف كثيراً مما كان .

والأمر الثاني : أنه قدس الله سره أخبر أمام بعض أصدقائي أنني لن تنالني الخدمة العسكرية وذلك في سنة ثلاث وسبعين قبل الحرب في وقت كانت الخدمة العسكرية لا يحلم أحد بالخلاص منها وتم لي ذلك سنة /1985 م/ بعد ثنتي عشر سنة .

وأمر ثالث هو أنه كان لدي قطعة من ثوبه فوضعتها على إنسان به مس من الجن شديد فأفاق فوراً ، وقد تكرر ذلك مراراً بإذن الله تعالى وكان ذلك بعد وفاته قدس الله سره وكم توسلت به إلى الله تعالى في حوائج كانت عسية فيسرها الله تعالى وذلك في مرات كثيرة لا أحصيها وحدثني بمثل ذلك كثير من أحباب سيدنا بما عاينوه بأنفسهم .

وأما ما سمعته من إخواننا فكثير لا أحصيه ومنه ما سمعته من الحاج حسن دانيال وهو من تجار حلب المعروفين وكان قد وضع نفسه وسيارته في خدمة سيدنا النبهان قدس لله سره : أنه كان مع سيدنا في مدينة حمص وكانت السيارة منطلقة بسرعة كبيرة وفوجئ الحاج حسن عند تقاطع الطريق أمامه بسيارة شاحنة سدت عليه الطريق فأيقن بدمار السيارة قال لي الحاج حسن : فما شعرت بنفسي إلا وأنا قد تجاوزت التقاطع والسيارة ورائي لم تزل ولم أدرك كيف حصل ذلك وأنا كمن أصيب بصاعقة فإذا سيدنا محمد النبهان قدس الله سره ينبهني ويناديني فذهب عني الخوف وشدة الهول .

كما سمعت من حفيد سيدنا الحاج غسان بن أبي فاروق رحمه الله كان مرة مع سيدنا في سيارة الحاج حسن فتوقفت السيارة لأنه لم يبقى فيها وقود فأخبر سيدنا بذلك فقال : ابحثوا عن موضع يباع فيه الوقود أو عن أحد يعطيكم مما عنده فلما لم يتمكنوا قال له سيدنا قدس الله سره : شغل السيارة وامشي فسارت السيارة فلما بلغوا أول محطة بنزين أمره سيدنا قدس الله سره بدخولها ليملأ خزان الوقود .

كما سمعت من أستاذنا الشيخ حسان فرفوطي رحمه الله أنه كان عند سيدنا جماعة من الضيوف فأمره أن يصنع لهم الشاي قال فصنعته في إبريق يسع ثماني كاسات وقد جربت ذلك مراراً قال وكان الضيوف خمسة أو ستة فصب سيدنا لهم الشاي جميعاً عدة مرات حتى تعجب أحدهم وكشف غطاء الإبريق وهو يقول كم يسع هذا الإبريق .

كما سمعت من أستاذنا الشيخ رجب الهيب أن الشيخ أسعد العبجي أخبره أنه قال لسيدنا قدس الله سره : أريد أن تريني النبي صلى الله عليه وسلم قال :نعم على أن تأتيني بالليرات الذهبية الأربعمائة المدفونة في بيتك فأنفقها أمامك لا آخذ لنفسي منها شيئاً ، قال الشيخ ووالله ما كان يعلم بها أحد إلا الله تعالى .

كما سمعت أخي الشيخ عبد المنعم سالم أنه أصابه في أول سبابه وسواس شديد في الصلاة حتى كان ينعقد لسانه فلا يتمكن من القراءة قال فرأيت سيدنا محمد النبهان قدس الله سره قادماً إلى المسجد لصلاة المغرب فأقبلت عليه لأشكو له حالتي وقبل أن أتكلم قال لي : هل صليت المغرب ؟ قلت : لا ، قال : اذهب فصلي فلما دخلت في الصلاة انطلق لساني وذهب عني ذلك الوسواس ولم يرجع والحمد لله .

وكرامة خاصة أخرى أجد أنه ينبغي لي أن أذكرها لأهميتها في بيان أن سيدي محمد النبهان قدس الله سره هو وارث محمدي كامل الوراثة وقد أخبرني بها أخي الكبير الشيخ محمد نبيه سالم حفظه الله وهو من علماء حلب المشهورين اليوم نقلاً عن الشيخ أحمد المعود رحمه الله وهو من زملاء سيدنا في العلم والطريق أنه دخل على سيدنا محمد النبهان مرة فرآه في سورة النبي صلى الله عليه وسلم كما وصفتها كتب الشمائل المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام والتحية قال الشيخ أحمد : فرجعت من الباب ولم أجلس وأخِذ قلبي ورجعت إلى بيتي وظللت مأخوذ القلب أسبوعاً في شبه غيبوبة .

كما سمعت أستاذي الحبيب الشيخ محمد لطفي رحمه الله تعالى ينقل عن الشيخ عمر عابدين - من أصحاب سيدنا المعروفين بالولاية والكشف وكان من حفظة القرآن كثير التلاوة - أنه رأى سيدنا محمداً النبهان قدس الله سره يقظة لا مناماً مراراً في صورة الحبيب الأعظم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ولازمته هذه الرؤية مدة كبيرة كلما حضر عنده دون أن تفارقه .

والأستاذ الشيخ محمد لطفي رحمه الله كان هو نفسه كرامة من كرامات السيد النبهان قدس الله سره فقد كان رحمه الله في دروسه كثير التركيز على توجيه طلابه يذكرهم بمحاسبة النفس دائماً ويشير إلى مخالفاتهم التي عملوها ولا يعلمها إلا الله تعالى لكن دون أن يصرح باسم أحد أو ينبه إليه بل يقول بعض الناس يفعل كذا أو شبه هذه العبارة .

وقد أقر له بذلك وصارحه عدد من الطلاب وقالوا له : نخشى أن يشعر بنا زملاؤنا وألحوا عليه بذلك حتى شكا هو الأمر لسيدنا محمد النبهان قدس الله سره فقال له : - كما سمعته وسمعه عدد من الزملاء منه – إذا كان هذا منك فاشكُ نفسك إنما هي مني يعني قدس الله سره إن هذا الأمر وهبك الله إياه بسببي وأنت لم تطلبه ولا قصدته وتوجهت إليه ليحصل لك إنما هو هبة خالصة من الله تعالى .

وكان سيدنا محمد النبهان قدس الله سره يقول : هناك فرق بين المكاشفة والكشف : المكاشفة تقع بتوجه من الشخص إلى أمر ما فيكشف له لصفاء قلبه وأما الكشف فيهبه الله للشخص دون طلب منه ولا توجه فهو منحة خالصة من الله تعالى .

وكان الشيخ محمد لطفي رحمه الله فيه من الحفاظ على آداب الطريق إلى الله ما يدل الناس على عظمة مرشده السيد النبهان قدس الله سره فقد سمعت من أستاذنا الشيخ حسان فرفوطي رحمه الله أن أحد أخوة الشيخ لطفي رحمه الله سمع أحد الأغنياء الكبار يطعن على السيد النبهان فقال : والله إنك كذاب تختلق هذه المطاعن اختلاقاً فقال ذاك الرجل : لماذا تكذبني هل تعرف الشيخ النبهان ؟ قال أخو الشيخ لطفي : لا ، ولكني أعرف أخي الشيخ محمداً وأخلاقه السامية وهو تلميذ الشيخ النبهان فإذا كان التلميذ سامي الأخلاق فالشيخ أسمى وأعظم .

ولم تكن كرامات تلاميذ السيد النبهان قدس الله سره مقصورة على الرجال فقد بلغني أن والدة أخينا الكبير الشيخ محمد نبيه سالم لما حولوها من قبرها بعد ثلاثة عشر عاماً وجدوها بحالها لم تأكل منها الأرض شيئاً وأن الذي حولها من قبرها - وهو أخونا الكريم الشيخ عبد المنعم سالم - فسألته عن ذلك فثبت الخبر وأنه رأى ذلك بعينه وحملها بيديه رحمها الله تعالى .

وكل عاقل منصف يؤمن بكرامات الأولياء يتعرف من سيرة هؤلاء الأكابر على طرف من سمو مقام مربيهم إن لم يكن يعرفه ولم يره . وما زال في مريدي السيد النبهان قدس الله سره من أهل الولاية رجال غير قليلين ولكنهم من الأتقياء الذين يتكتمون ولا يحبون أن يشتهر ذكرهم وفي ذكر الذين سبق الحديث عنهم ما يعرف به أثر سيدنا محمد النبهان قدس الله سره في تربية السالكين إلى الله تعالى .

أخيراً أسأل الله تعالى بجاه سيدي النبهان قدس الله سره وكل أحبابه أن يوفقني وكل مخلص يحب أولياء الله للسير على مناهجهم والتحلي بشمائلهم وأن يحشرنا يوم القيامة معهم تحت لواء الحبيب الأعظم صلى الله عليه وسلم .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .


تحميـــل المحاضرة ( صوتاً)  :                                                                           

المقطع الأول                                                                                        

المقطع الثاني                                                                                       

المقطع الثالث                                                                                        

تحميل المحاضرة فيديو                                                                           

المقطع الأول                                                                                       

المقطع الثاني                                                                                       

المقطع الثالث                                                                                      

المقطع الرابع                                                                                      

المقطع الخامس  
                                                                                  

_______________________________________________

تم تعديل هذه الكلمات وهذا هو النص الذي كان هو نص المحاضرة التي ألقيت والمثبت فوق هو الصحيح والمعتمد:  

1- فقال للشيخ محمود مهاوش : ( الشيخ محمد النبهان أمره عجيب ، ما رأينا مثله ) .
صححت فوق بالرجوع إلى نقل بعض أهل العلم من أتباع السيد النبهان                                                                                    

2- فقال السيد الهاشمي رضي الله عنه : ( أما رأى صاحب هذه الرسالة البحر الذي بجانبه ) ، فقال الشيخ عبد اللطيف مشلح رحمه الله وهو من علماء حلب وكان حاضراً : سيدي من هو البحر ؟ قال : هو الشيخ محمد النبهان .
(صححت فوق من قبل الشيخ الدكتور محمود فجال)                                                              

3- فمن تواضعه : ما أخبرني به أستاذنا الشيخ محمود فجال وأخونا الكبير الشيخ مطيع الحافظ : أن الشيخين الفاضلين ملا رمضان البوطي وعبد الوهاب الحافظ ( دبس وزيت) لما زارا السيد النبهان قدس الله سره قام بنفسه على ضيافتهما ولم يرض أن يقوم بذلك تلاميذه وأن الشيخ عبد الوهاب توضأ فلما أراد أن يلبس جوربه أبى السيد النبهان قدس الله سره إلا أن يلبسه إياه بيده ومع ذلك كان لا ينسب إلى نفسه الفضل في ذلك بل كان يقول دائماً : ( من أنا حتى يجعلني الله خادماً لعبيده ) .

صححت فوق من قبل الدكتور محمود الزين                                                             

مختارات من القسم

  1. السلام عليكم فضيلة الشيخ نرجوا منكم تبيين احوال الحلاج هل ...
  2. تفسير سورة البينة
  3. ما حكم الجمع بين الزوجة وخالتها
  4. تفسير سورة التين
  5. قصيدة شتم العظماء حرية السفهاء