04 سبتمبر 2012

عدد ركعات التراويح في سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين رضي الله عنهم

عدد ركعات التراويــح

في

سنة النبي صلى الله عليه وسلم 

وأصحابــه والتابعين رضي الله عنهم

إعداد

د. محمود أحمد الزين



 التحميل

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدى أمة الإسلام بكتابه الأعظم وجعل رشادها في اتباع رسوله الأكرم صلى الله عليه وأله وصحبه وسلم ، ثم وهب سبحانه فقه كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم لخير القرون وهم الصحابة والتابعون ومن رباهم وعلمهم التابعون فكانوا قدوة العلماء العاملين والأخيار الصالحين على توالي الأيام والسنين في اتباع سيد المرسلين، في حفظ معالم الدين من غلو الغالين وتحريف المبطلين.

وأهل القرون الثلاثة هم المسمون في اصطلاح علماء الإسلام ”السلف الصالح“، أما إطلاق بعض أهل العصر اسم السلف على شيوخهم وعلماء فرقتهم فهو مخالف لهذا الاصطلاح ، وهو استغلال له في الترويج لأنفسهم .

وقد كثر في الزمن الأخير اللغط حول صلاة التراويح ومذهب أهل القرون الثلاثة في عدد ركعاتها حتى زعم بعضهم أن الزيادة على ثمان ركعات – عدا الوتر – بدعة ضلالة ، وخروج عن مذهب السلف الصالح ـ أهل السنة والجماعة ـ فأحببت أن أكتب مختصراً يكشف عن حقائق المسألة ويقرب أبعادها ويثبت توافق الروايات ويدفع عنها التأويلات ويوضح اتصال العمل بالزيادة منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصر الصحابة ثم التابعين وتابعيهم وعنهم أخذ المسلمون ذلك في سائر العصور.

عمل السلف :

وحسبنـا من ذلك قول الإمام مـالك رضي عنـه فـي مدونتـه (1/222): ( بعث إلي الأمير وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي يقومه الناس بالمدينة – قال ابن القاسم([1]) : وهو تسع وثلاثون ركعة بالوتر... قال مالك فنهيته أن ينقص من ذلك شيئاً قلت : هذا ما أدركت الناس عليه وهو الأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه) أي في زمانه وهو عصر تابع التابعين وفي زمان شيوخه التابعين،وكذلك قال الشافعي رضي الله عنه في مختصر المزني ص(21): ”ورأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين، وأحب إلي عشرون ؛ لأنه روي عن عمر رضي الله عنه ([2])، وكذلك يقومون بمكة ويوترون بثلاث“ فهذا العمل في الحرمين بالزيادة على ثمانٍ هو الجديـر أن يسمى مذهب السلف بحـق ، وليس أمام الذي يبدّع أهل الزيادة على إحدى عشرة ، إلا أن يتجاهلوا فعل أهل هذين القرنين الفاضلين ـ كما هو شأن أكثرهم ـ أو أن يزعموا أنهم خالفوا سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ، فهل يمكن أن يقع ذلك ممن أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون بعد الصحابة؟

وليس يمكن أن يكون ذلك الذي فعلوه من الزيادة تركاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ـ حين صلى اثنتي عشرة والوتر؛ لأنهم فهموا من عموم الأحاديث أن التراويح ليس لها عدد محصور، كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وإنما فعلوا ذلك تعويضاً عن طول القيام ، الذي عمل به النبي صلى الله عليه وسلم ، وعمل به الصحابة أوائل خلافة عمر رضي الله عنه ، ثم رأوا عجز الناس فاختاروا تخفيف القراءة والقيام ، وعوضوا بزيادة الركعات ، فالذي يصلي إحدى عشرة دون أن يطيل القيام كما كان يطيله النبي صلى الله عليه وسلم يكون قد ترك سنته في الإطالة ، وسنة الخلفاء الراشدين في التعويض عن الإطالة بزيادة الركعات ، لكن يكون قد أتى بأصل السنة في التراويح ، وإن فوت الكمال من الجانبين المذكورين ، ويأتي عرض الأدلة إن شاء الله تعالى.

أما ما يرجحه بعض المنتسبين إلى العلم في العصور التالية لاسيما آخر العصور فهذا ـ ولو افترضنا قوة دليله ـ لا يمكن أن يسمى مذهب السلف ؛ لأن مذهب السلف هو ما قال به جميعهم أو فعلوه ، أو فعله البعض وسكت الآخرون أو ـ على الأقل ـ هو ما قال به أو فعله معظم السلف ، ولا يمكن أن يكون مذهبهم هو قول الأقل ، أو أن يكون قولاً لم يقل به أحد منهم إذا رجحه بعض الناس ، ولو صح هذا لكان من حق كل عالم يرجح قولاً أن يقول هذا من مذهب السلف ، وما ذلك إلا قلب للموازين .

وفـي التراويح قـال الإمام الترمذي (3/170) : ” وأكثر أهل العلم على ما روي([3]) عن عمر وعلي رضي الله عنهما وغيرهما من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عشرين ركعة“ وهذا من حيث الاختيار، أما السكوت من عموم أهل العلم على اختيار العشرين ركعة في مكة المكرمة ، والست والثلاثين في المدينة المنورة إلى آخر عصور السلف في أيام الشافعي رضي الله عنه فهو ثابت من حيث إنه لا يُعلم أحد أنكر ذلك عليهم في عصور السلف ، فهم مقرون لهم بالمشروعية ، يعني أنه مستحب ، وإن خالف بعضهم في الأفضلية ، فاختار إحدى عشرة ركعة ، أو اختار أربعين ـ كما روى الترمذي([4]) ـ فليس الاختيار مستنكراً، إنما المستنكر تبديع ما اختاره بعض أئمة الاجتهاد ، ولاسيما السلف ، ولا يُعرف أحد منهم أنكر الزيادة على إحدى عشرة ، فإنكارها بدعة ، واتهام للسلف الذين فعلوها بالبدعة ، ولا ريب أنهم فعلوا الزيادة باجتهاد  ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصرح بأن المجتهد له أجران إن أصاب ، وأجر إن أخطأ ، والله لا يأجر على البدعة .

وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم، اللهم اهدنا وجميع المسلمين إلى ما تحب وترضى من القول والعمل ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين .

عدد التراويح الثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم :

أولاً:رواية عبد الله بن عباس رضي الله عنهما 
حين بات عند خالته ميمونة زوجة النبي صلى الله عليه وسلم كما روى البخاري برقم (181) ومسلم برقم (76) ”أن النبي صلى الله عليه وسلم قام يصلي ، قال ابن عباس رضي الله عنهما .. ذهبت فقمـت إلى جنبه [عن يسـاره فـحولني فجعلني عن يمينه]([5])، فصلى ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم ركعتين ثم أوتر [فتتامّت صلاته ثلاث عشرة ركعة]([6])، ثم اضطجع حتى أتاه المؤذن فقام فصلى ركعتين خفيفتين ثم خرج فصلى الصبح“.

وهذا العدد كله قيام الليل عدا الركعتين حين أتاه المؤذن فهما ركعتا سنة الصبح لأنه صلاهما بعد الوتر([7]) ، والراوي قال : ثم خرج فصلى الصبح أي فرض الصبح(1) وليست ركعتا سنة العشاء البعدية من الثلاث عشرة ؛ لأنهما في الأصل لا تصليان جماعة وابن عباس رضي الله عنهما ذكر أنه صلى الثلاث عشرة مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله ثم أوتر يدل على أن كل ما ذكره قبل ذلك وهو اثنتا عشرة ركعة كله قيام الليل وجاء الوتر بعده واحدة ، وإن كان يحتمل أن يكون عدد الوتر ثلاثاً لكنه خلاف الظاهر.

وقد ذكر بعض الرواة عن ابن عباس رضي الله عنهما ”إحدى عشرة ركعة“ فقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (3/563): ( إن رواة ”ثلاث عشرة“ أكثر وأحفظ فتقدم روايتهم لذلك ولما فيها من زيادة العلم ) وقواعد الترجيح تقضي بأن رواية الأقل عدداً أو حفظاً شاذة وقد رجح الحافظ الثلاث عشرة ولم يقل إنه فعل هذا مرة وهذا مرة لأن السياق يدل على أنها حادثة واحدة ولم تتعدد ، وقد قال في الصفحة التي تليها : (والحاصل أن قصة مبيت ابن عباس يغلب على الظن عدم تعددها ؛ فلهذا ينبغي الاعتناء بالجمع بين مختلف الروايات ، ولا شك أن الأخذ بما اتفق عليه الأكثر والأحفظ أولى). ثم قال: (والمحقق من عدد صلاته في تلك الليلة إحدى عشرة) ومعنى هذا الكلام : أن عدد الإحدى عشرة موجود في الروايتين صراحة في رواية الإحدى عشرة ، وضمناً في الثلاث عشرة أي : إن ثلاث عشرة مشتملة على إحدى عشرة وتزيد ركعتين ولا يمكن أن يريد بذلك أن الإحدى عشرة أقوى ثبوتاً ، ولو كان يريده لكان ذلك مناقضاً لكلامه الأول .

ثم ذكر ابن حجر وجهاً من الجمع فقال: (وأما رواية ثلاث عشرة فيحتمل أن يكون منها سنة العشاء البعدية) كذا قال هنا ، وقال في الصفحة التي قبلها : (وقد حمل بعضهم هذه الزيادة على سنة العشاء البعدية ، ولا يخفى بعده) وهو تضعيف صريح لهذا الاحتمال .

وقد جمع بعضهم بين الروايتين بأن الثلاث عشرة منها سنة الصبح ، وقد جاء ذلك في رواية ، لكنه يخالف رواية البخاري هنا ، حيث قال فيها : (ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جاءه المؤذن ، فقام فصلى ركعتين) وذكر ابن حجر أن بعض الرواة قال: (وركعتين بعد طلوع الفجر قبل صلاة الصبح) وهو في غاية الصراحة .

ثانياً: رواية أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها :

إذا تأمل الإنسان مجموع الروايات عن السيدة عائشة رضي الله عنها وجد أنها تتفق في العدد مع ابن عباس رضي الله عنهما إجمالاً ، وتخالفه تفصيلاً، فقد روى عنها البخاري برقم (1096) ومسلم برقم (738) : ”ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة : يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي أربعاً فلا تسل عن حسنهن وطولهن ثم يصلي ثلاثاً“.

وروى الإمام مسلم عنها برقم (767) : ”كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين“ وهاتان الركعتان زائدتان عن الإحدى عشرة ـ بلا شك ـ لأن الإحدى عشرة كان يبدؤها بأربع طوال كما صرحت الرواية ، قال في فتح الباري
(4/33) : ”وأما ما رواه الزهري عنها... بلفظ كان يصلي بالليل ثلاث عشرة ركعة ، ثم إذا سمع النداء صلى ركعتين خفيفتين... فيحتمل أن تكون أضافت إلى صلاة الليل سنة العشاء البعدية... أو ما يفتتح به صلاة الليل ، فقد ثبت عند مسلم... أنه كان يفتتحها بركعتين خفيفتين ، وهذا أرجح في نظري ؛ لأن رواية أبي سلمة ـ التي دلت على الحصر في إحدى عشرة جاء في صفتها:

”... يصلي أربعاً، ثم أربعاً، ثم ثلاثاً “ فدل على أنها لم تتعرض للركعتين الخفيفتين “.

والذي يؤكد أنهما ليستا سنة العشاء البعدية أنه جاءت رواية عن السيدة عائشة تذكر سنة العشاء قبل النوم ثم الركعتين الخفيفتين ثم يصلي الثماني ثم يوتر لكن ذكرت في هذه الرواية أن الوتر واحدة ، روى عنها الطحاوي في كتابه شرح مشكل الآثار(1/280) أنها قالت: ” كان يصلي العشاء ثم يتجوز بركعتين ، وقد أعد سواكه وطهوره ، فيبعثه الله لما شاء أن يبعثه فيتسوك ويتوضأ ثم يصلي ركعتين ، ثم يقوم فيصلي ثمان ركعات يسوي بينهن في القراءة ثم يوتر بالتاسعة “([8]).

فيكون مجموع ما صلى قبل الوتر عشراً عدا ركعتي سنة العشاء وهذا موافق لما تقدم ، والخلاف في الوتر فقط : هنا واحدة وهناك ثلاث ، وليس هذا من اختلاف رواية الحادثة الواحدة لأن صلاة التراويح وقيام الليل تتكرر فيكون قد فعل هذا حيناً وهذا حيناً وقد صلى أقل من ذلك فيما بعد كما روى مسلم برقم(746) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ” فلما سنّ نبي الله صلى الله عليه وسلم وأخذه اللحم أوتر بسبع“ ومرادها هنا أنه صلى قيام الليل كله سبع ركعات إذ يستبعد أن يجعل السبع كلها وتراً زائدة على العشر من قيام الليل لأن كبر السن عذر يقتضي التخفيف لا الزيادة .

وقد جمعت السيدة عائشة رضي الله عنها ما صلاه النبي صلى الله عليه وسلم  في الليل في مرات مختلفة بهذا الحديث الذي يرويه أحمد في مسنده برقم (25159) ، وأبو داود برقم (1357) حين سألها عبد الله بن قيس ، فقال: ”بكم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث ، وست وثلاث ، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث “ قال في فتح الباري (4/34): ”وهذا أصح ما وقفت عليه من ذلك ، وبه يجمع بين ما اختلف عن عائشة من ذلك ، والله أعلم “ قلت : ورواته من رجال مسلم، وهذا صريح في تعدد ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه كان يصلي عشراً قبل الوتر، وهي زائدة على الثمان ، خلافاً لمن زعم أن الزيادة على إحدى عشرة بدعة.

ثالثاً : رواية زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه :
رواية زيد بن خالد رضي الله عنه تتفق مع عائشة وابن عباس رضي الله عنهما في إجمالي العدد وهو ثلاث عشرة ركعة وتختلف في التفصيل قليلاً فتصرح بالركعتين الخفيفتين ثم الثماني ثم الوتر ثلاثاً كما رواه مسلم برقم
(765) فقال : ” فصلى ركعتين خفيفتين ، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما ثم أوتر فذلك ثلاث عشرة ركعة “.

والمتأمل فيما رواه الثلاثة يرى أنهم يتفقون في العدد الإجمالي ثلاث عشرة ركعة تصرح السيدة عائشة رضي الله عنها بأن الوتر ثلاث وتذكر قبلهن عشراً لكن تفرد الثمانيَ برواية والركعتين الخفيفتين قبلهما برواية.

ويصرح زيدٌ رضي الله عنه بأن الوتر ثلاث ويصرح في رواية واحدة بالثمان والركعتين الخفيفتين قبلهما ، أما ابن عباس رضي الله عنهما فيذكر ثلاث عشرة ويظهر من قوله أن الوتر واحدة قبلها اثنتا عشرة ركعة ويحتمل أن يكون الوتر ثلاثاً لكنه خلاف الظاهر، واقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على واحدة في الوتر كان حسب الظاهر في رواية ابن عباس لكنه كان صريحاً جداً في رواية عائشة السابقة عند الطحاوي.

وبالتأمل في جميع هذه الروايات يتضح أن النبي صلى الله عليه وسلم زاد على الثمان فصلى عشراً قبل الوتر كما يؤخذ من مجموع روايتي عائشة رضي الله عنها ، وكما هو صريح في رواية زيد بن خالد رضي الله عنه ، وكما تحتمل رواية ابن عباس ، فكأن هذا هو غالب حاله صلى الله عليه وسلم ، وزاد على العشر فصلى اثنتي عشرة ركعة ـ قبل الوتر ـ كما هو ظاهر رواية ابن عباس رضي الله عنهما ، ونقص من العشر فصلى ست ركعات قبل الوتر كما هو ظاهر من رواية السيدة عائشة رضي الله عنها في شرح مشكل معاني الآثار للطحاوي.

وقد جاءت الآيات الكريمة والأحاديث القولية في قيام الليل مطلقة دون ذكر عدد معين ، فقال تعالى: {يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلاً} ، ثم قال : {إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك} .

وقد روى البخاري برقم (1905) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً غقر له ما تقدم من ذنبه) ورواه مسلم برقم (1776) ، والأحاديث في ذلك متعددة والإطلاق يقع على العدد القليل والكثير وهذا ينفي التعارض.

عدد التراويح عند الصحابة رضي الله عنهم :
ولأجل ذلك الإطلاق وتعدد عمل النبي صلى الله عليه وسلم فهم الصحابة رضوان الله عليهم أن التراويح وقيام الليل شيء واحد وليس له عدد معين يلتزم به المصلي فلا يزيد ولا ينقص وهذا ما يظهر من عملهم كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى ، ولا يصح أن يقال إن الرواية عن عمر وغيره بالزيادة على إحدى عشرة ـ لو صح سندها ـ فهي موقوفة ، تسقط لأجل معارضتها المرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما لم يصح ذلك لأن الموقوف يكون التعارض بينه وبين المرفوع فيما إذا كانا يرويان أمراً واحداً عن إنسان معين في وقت معين كما لو قال النبي صلى الله عليه وسلم : سحرني اليهودي ، وقال بعض الصحابة : إنه لم يسحره .

أما إذا ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى إحدى عشرة ركعة ، وثبت أن صحابياً صلى إحدى وعشرين ، فلا يقال تسقط الرواية الموقوفة على الصحابي ، بل يقال: إن فعله خالف فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، فلا يكون حجة ؛ لأنه اجتهاد يخالف النص .

ولكن هذا لا يصح أن يقال هنا أيضاً ؛ وذلك لأن أهل الحرمين صحابة وتابعين عملوا بهذا ، فوافقوه ولم ينكر أحد عليه ، فكان إجماعاً ، والإجماع معصوم عن خطأ الاجتهاد ، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، ومستند هذا الإجماع هو أن الأمر بقيام رمضان في الكتاب والسنة أمر مطلق ، وعمل النبي صلى الله عليه وسلم بأحد وجوه المطلق لا يمنع الآخر ، كما أن تضحيته بالكبش لا تمنع الزيادة ولا التضحية بالشاة ، وعمل الصحابة بالزيادة فهم منهم للسنة ، خالف فهم المانعين المتأخرين ؛ لأن الصحابة رووا عن النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة وإحدى عشرة ، وعملوا بذلك ، ثم زادوا عليه ، فدل ذلك على أنهم فهموا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن القيام غير محدد العدد ، وفهمهم حجة ، بل إجماع إذا كان على هذا الوجه العام في الحرمين الشريفين دون إنكار من أحد .

وفي مسودة آل تيمية ص (335): ”إذا قال بعض الصحابة قولاً وانتشر في الباقين ، وسكتوا ولم يظهر خلافه فهو إجماع يجب العمل به عندنا ، قال شيخنا ـ يعني أحمد بن تيمية شيخ جامع المسودة ـ : إذا سكتوا عن مخالفته حتى انقرض العصر“، وأمر التراويح والزيادة فيها على إحدى عشرة أعظم من ذلك ؛ لأنه عملت به الجماعة الكبرى منهم ، دون إنكار من أحد إلى نهاية عصر الصحابة وما بعده ، وإذ ثبت عن أحد منهم عمل بإحدى عشرة فليس ذلك إنكاراً، فالعمل ليس دليل إنكار؛ لأن الشخص الواحد قد يعمل بعددين كل منهما في وقت ، وقد تعاضدت الروايات المتعددة الصحيحة بزيادة الصحابة على إحدى عشرة وهذه هي :

الرواية الأولى : في مصنف ابن أبي شيبه برقم (7688) عن عطاء [ هو ابن أبي رباح ] قال : ”أدركت الناس وهم يصلون ثلاثاً وعشرين ركعة بالوتر“ ورجاله رجال الصحيحين إلا عبد الملك بن أبي سليمان فمن رجال مسلم وحده ، وعطاء توفي سنة (114) أو (117) ، وعمره مائة سنة أو تسعون أو ثمان وثمانون كما في تهذيب التهذيب لابن حجر فيكون مولوداً أوائل خلافة الفاروق رضي الله عنه إذا قدرنا عمره مائة سنة ويكون في سن التمييز الذي يصح فيه الإدراك في أواخرها حيث قال أدركت الناس ، وإذا قدرنا عمره ثمانيا وثمانين وأنه مات سنة (117) أو (114) تكون ولادته سنة تسع وعشرين أو اثنين وثلاثين ويكون في سن السابعة أواخر خلافة عثمان رضي الله عنه أو أواخر خلافة علي رضي الله عنه ، وقد رجحوا انه ولد لسنتين من خلافة عثمان رضي الله عنه ، فيكون في سن الرواية سنة تسع من خلافته ، وعمره ست عشرة سنة عند نهاية الخلافة الراشدة ، سنة أربعين من الهجرة ، فهو يروي عن عصر الخلفاء الراشدين قطعاً ، وكان الصحابة حينئذ متوافرين ، ولا يعرف أحد منهم أنكر ذلك ومهما افترضنا تأخر ولادة عطاء فهو يروي عن عصر الصحابة قطعاً .

الرواية الثانية : في السنن الكبرى للبيهقي (2/496) عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال : ”كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعشرين ركعة“ وقد صحح هذه الرواية النــووي في المجمــــوع(4/32) والزيلعي في نصب الراية (2/154) وابن العراقي في طرح التثريب (3/97) .

وقد حاول بعض المعاصرين تضعيف هذه الرواية بسبب اثنين من رواتها أولهما : شيخ البيهقي (ابن فنجويه) ضعفوه بأن الذهبي قال عنه في سير أعلام النبلاء (17/383) : ”قال شيرويه في تاريخه : ثقة صدوق ، كثير الرواية للمناكير“ وفهموا من ذلك أنه منكر الحديث ـ أي ضعيف ـ وهذا وهم ترده بداية الكلام ، فمن يقال فيه ثقة لا يقال فيه منكر الحديث ، فيكون معنى الكلام ـ لو صح ما توهموه ـ (ثقة ضعيف) وهو تناقض صارخ ، والمعنى الصحيح لهذه الكلمة (كثير الرواية للمناكير) إذا اقترنت بكلمة (ثقة صدوق) : أنه يروي الأحاديث الغريبة المنكرة عن أناس ضعفاء ، وليس معناه أنها منكر بسببه ، فمن كان كذلك لا يقال فيه ثقة ، ولا يقال فيه ما قاله الذهبي في السير أيضاً : ”الشيخ الإمام المفيد “ ولذلك اقتصر الذهبي في العبر على قوله ” ثقة “ لأنه أراد الاختصار، ولو كان ذلك جرحاً له لم يجز له أن لا يذكره ، وتصحيح الأئمة للحديث مع وجود ابن فنجويه في سنده يدل على أنهم فهموا التعديل من كلام شيرويه .

والثاني : الذي ضعف الحديث بسببه هو ” يزيد بن خصيفة “ راويه عن ” السائب بن يزيد “ لأنه روي عن أحمد في ” يزيد “ قولان ، فروى أبو داود أنه قال عنه : منكر الحديث ، والأثرم روى أنه قال عنه : ثقة ، وقد قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري : ”هذه الكلمة ”منكر الحديث“ يطلقها أحمد على من يغرب على أقرانه ، عرف ذلك بالاستقراء من حاله ، وقد احتج بابن خصيفة مالك والأئمة كلهم“.

وهذا التفسير واجب لأمور: أولها: أن كلمة ”منكر الحديث“ معارضة برواية الأثرم عن أحمد نفسه ، فالجمع بينهما يقتضي هذا التفسير؛ لأن منكر الحديث إذا أريد بها التضعيف تناقض التوثيق كأنه قيل فيه (ضعيف ثقة) وثانيها : موافقة توثيقه ـ في هذه الرواية عن أحمد ـ لتوثيق الأئمة الآخرين ، فقد قال فيه ابن القطان في (الوهم والإيهام) : ثقة بلا خلاف ، وثالثها : احتجاج الأئمة كلهم به ـ كما قال الحافظ في فتح الباري ـ ولا عبرة بعد هذا بمحاولات التضعيف التي ترفضها القواعد .

وأما زعمهم أنه خالف الأوثق منه (محمد بن يوسف) فتكون روايته شاذة ، فيأتي الكلام عنه عند ذكر رواية ابن يوسف .

وهذا الأثـر نفسـه رواه البيهقي فـي السنن الصغرى (2/407) بسند آخر، صححه السبكي في شرح المنهاج ، وملا علي القاري في شرح الموطأ ، حسب ما نقله النيموي في آثار السنن ص (252) قال : أخبرنا أبو طاهر الفقيه ، أنا أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري نا محمد بن عبد الوهاب أنا خالد بن مخلد نا محمد بن جعفر حدثني يزيد بن خصيفة عن السائب..

أ ـ أبو طاهر محمد بن محمد محمش الفقيه القدوة... إمام أصحاب الحديث ومسندهم وفقيههم، كما قال الذهبي في سير أعلام النبلاء (17/276) زاد في تذكرة الحفاظ قوله : ” الحافظ “.

ب ـ والبصري : قال في سير أعلام النبلاء (15/364): الإمام القدوة الزاهد الصالح.

ج ـ محمد بن عبد الوهاب : قال عنه في تذكرة الحفاظ : كان مكثراً حجة ، أخذ الأدب... والحديث... والفقه ، وكان يرجع إليه فيها.. وثقه مسلم ، وفي تقريب التهذيب : ثقة عارف.

د ـ خالد بن مخلد: قال في تذكرة الحفاظ ص (406): الإمام المحدث ، روى له الجماعة إلا أبا داود، وهو شيعي صدوق ، يأتي بغرائب ومناكير، وفي تقريب التهذيب : صدوق يتشيع ، وله أفراد. وإتيانه بالمناكير لا يجعله ضعيفاً حتى يقال : منكر الحديث ، لاسيما أنه من المكثرين ، كما نقل في التهذيب عن ابن عدي والعجلي ، ولذلك صحح الأئمة حديثه هذا كما تقدم .

هـ ـ محمد بن جعفر: قال في التقريب: ثقة.

الرواية الثالثة: في مصنف عبد الرزاق (7730) عن داود بن قيس وغيره عن محمد بن يوسف عن السائب بن يزيد ” أن عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وتميم الداري على إحدى وعشرين ركعة “ ورواته رجال الصحيحين غير داود فمن رجال مسلم ، وتغير عبد الرزاق بعدما عمي لا يضر هنا لأنه ألف كتابه قبل العمى .

وهذه الرواية لا تعارض رواية محمد بن يوسف ”إحدى عشرة“ لأنه يمكن الجمع بينهما كما قال البيهقي في سننه الكبرى (2/496) : بأن هذه كانت أولاً ثم أمرهم بإحدى وعشرين كما روى غير محمد بن يوسف ولو قدرناهما متعارضين فروايته الموافقة للجماعة أولى لأنها تزيد قوة بهم .

دعوى التعارض والترجيح :

وقد حاول بعض المعاصرين أن يرجح رواية محمد بن يوسف ”إحدى عشرة “ ـ التي تخالف بظاهرها الجماعة ـ على الرواية التي وافقهم فيها وهي إحدى وعشرون ركعة ، واحتج بأمرين :

أولهما: أن رواة إحدى عشرة عن محمد بن يوسف أكثر وأوثق من رواة إحدى وعشرين التي تفرد بها داود بن قيس ، وقد قال فيه ابن معين : صالح الحديث ، ومرتبة صالح الحديث دون ثقة بلا شك.

وثانيهما: أن محمد بن يوسف أوثق من يزيد بن خصيفة؛ لأن ابن حجر قال في التقريب عن ابن يوسف : ”ثقة ثبت“ وقال عن ابن خصيفة : ”ثقة“ فقط، بالإضافة إلى أن الإمام أحمد قال فيه: منكر الحديث ، وهذا تضعيف ..

نقض هذه الدعوى :

والجواب عن ذلك من وجوه :

أولها: أن الترجيح لا يلجأ إليه مع إمكان الجمع ؛ لأن الجمع يرفع الاختلاف ، ولو أن كل حديثين اختلف ظاهرهما ، ولجأنا إلى الترجيح قبل التوفيق بينهما لذهب من السنة شيء كثير بدعوى الشذوذ ، والجمع هنا ممكن ، كما قال البيهقي فيما تقدم، وهو واجب يؤدي تركه إلى ضرب سنة الراشدين بعضها ببعض ، ففي تدريب الراوي (2/176) : ”والمختلف قسمان : أحدهما : يمكن الجمع بينهما بوجه صحيح فيتعين ، ولا يصار إلى التعارض والنسخ ، ويجب العمل بهما “ ، ولا يقال إنهما متعارضان حقيقة إلا إذا تعذرت وجوه الجمع كلها ، ولو لم يمكن الجمع بينهما إلا بتأويل أحدهما فهو مقدم على الترجيح ، كما جاء في مسودة آل تيمية ص (142) : ”إذا تعارض عمومان ، وأمكن الجمع بينهما بأن كان أحدهما أعم من الآخر، أو قابلاً للتأويل دون الآخر جمع بينهما بذلك ، وإن تساويا وتناقضا... تعارضا وطلب مرجح ، أو دليـل مــن غيرهمـا “ .

ومنكر الزيادة على إحدى عشرة يصر على ترك هذا الواجب ، ويحشد الروايات والأسانيد التي تذكر أنهم صلوا إحدى عشرة في زمان عمر رضي الله عنه ، وهذا ليس موضع الاختلاف ، فالقائل بالزيادة مقر برواية إحدى عشرة وهي محمولة عنده على أنهم عملوا بها أول الأمر، ثم عملوا بإحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين بعد ذلك جمعاً بين الأدلة ، وقال الشافعي في الرسالة ص (342) : ”ولا ينسب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجه يمضيان به معاً ، إنما المختلف ما لم يمض إلا بسقوط غيره “ وهنا يمكن إمضاء رواية إحدى وعشرين ، دون سقوط رواية إحدى عشرة ودون العكس ، ولهذا لا تعد رواية الأقل عدداً أو حفظاً شاذة ؛ لأن الشاذ ”ما خالف فيه الثقة من هو أوثق منه “ وهذان انتفى تعارضهما بإمكان الجمع ، وأمكن أن يمضيا جميعاً ، فليسا بمختلفين ، ولو كان تعدد العمل تعارضاً دائماً لوجب أن يرجح بين كل عددين جاءا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يؤخذ إلا بأقواهما سنداً، فهل قارن أحد من العلماء بين أسانيد رواية إحدى عشرة ورواية تسع وسبع ، وقال : إننا نعمل بالأقوى ؟ أوهم اكتفوا بأن يصح الإسناد بها جميعاً فقالوا :يعمل بها جميعاً ؟ فإذا كانوا ـ كما هو ثابت عنهم ـ اكتفوا بصحة الإسناد في الجميع ، ولم يرجحوا بعضها على بعض ، فهذا الأمر نفسه ينبغي أن تعامل به الروايات التي تخبر عن العمل في زمن عمر رضي الله عنه فيما بينها ، ما دام الجميع صحيح السند عند المحدثين والفقهاء ، وفيما بينها وبين المروي عن زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يحل أن يضرب بعضها ببعض .

ثانيها: أن قولهم في داود بن قيس : ”صالح الحديث“ ـ إذا اقترن بالتوثيق كما جاء في الجرح والتعديل برقم (1924) عن ابن معين ”صالح الحديث ثقة “ ـ لا تدل على النقص في التوثيق ، بل هي نفي للخطأ في الروايات ، فهي زيادة في التوثيق ؛ ولذلك قال في تقريب التهذيب : ”ثقة فاضل “ وعدم رواية البخاري عنه في الأصول لا يضره ، وليس دليلاً على نقص ، فإنه لم يرو عن الشافعي أصلاً ، فما نقص ذلك من قوة رواية الشافعي ، فحسب داود مع التوثيق والفضل أن يحتج به الإمام مسلم .

ثالثها: أن كثرة الرواة عن ابن يوسف، ورجحانهم في التوثيق على داود بن قيس تزيد في قوة ثبوت الرواية عن ابن يوسف أن عمر رضي الله عنه أمرهم بإحدى عشرة ركعة ، ولكن ذلك لا يزيدها قوة في الثبوت عن السائب ، فابن يوسف روى عنه إحدى عشرة ، وهو نفسه روى عنه إحدى وعشرين ، لكن الأولى تفرد بها والثانية شاركه فيها يزيد بن خصيفة ، وكلاهما أدرك زمن عمر رضي الله عنه ، فمهما قلت درجة ابن خصيفة في مستوى التوثيق ، فروايته على كل حال تقوي رواية إحدى وعشرين عن ابن يوسف عن السائب ، مع أنه احتج به مالك والأئمة كلهم ، وتضعيفه مجرد وهم ، وترجيح لإحدى الروايتين مع إمكان الجمع بينهما كما فعل ابن حجر، يضاف إلى ذلك ثلاث روايات مرسلة ، كل اثنتين منها تجعلان المتن حسناً ، وبالثلاث يكون صحيحاً لغيره، ولا يقال هنا إن المرسل لا يقوى على معارضة المسند ؛ لأن المرسل هنا ليس وحده، إنما هو تقوية وتعضيد للمسند الذي رواه كلٌ من ابن يوسف وابن خصيفة.

رابعها: أن المفاضلة بين رواية ابن يوسف وابن خصيفة ـ دون ملاحظة معضدات رواية ابن خصيفة ـ مخالفة للقواعد كما يأتي ، بل إن المفاضلة الحقيقية هي بين روايتي محمد بن يوسف عن السائب ـ مع ملاحظة أنه تفرد بإحداهما ، ووافقه على الأخرى ابن خصيفة ـ و ثلاث روايات مرسلة ومع رواية عطاء الموافقة لهما إجمالاً من حيث الرواية عن عصر الخلفاء الراشدين .

وفي تدريب الراوي (1/97) عند الكلام عن أقسام الصحيح، وأنه تتفاوت مراتبه قال:

”التنبيه الثالث: قد يعرض للمفوق ما يجعله فائقاً كأن يتفقا [يعني الشيخين] على إخراج حديث غريب، ويخرج مسلم أو غيره حديثاً مشهوراً“، والأثر عن عمر t بإحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين تنطبق عليه هذه القاعدة ، فرواية إحدى عشرة عن محمد بن يوسف يقابلها :

1ـ روايته هو التي رواها عنه داود بن قيس ”إحدى وعشرين“.

2ـ رواية يزيد بن خصيفة .

3ـ ثلاث روايات مرسلات صحيحات السند ـ سيأتي ذكرها ـ هي بمجموعها ـ إذا لم يوجد غيرها ـ تجعل المروي صحيحاً لغيره ، فتكون رواية إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين في قوة المشهور، والمشهور أقوى من الفرد ، الذي ليس له إلا إسناد واحد مهما كان قوياً .

4ـ موافقة رواية عطاء لها في الجملة ؛ إذ هو يروي عن عصر الراشدين بلا شك ، فلو لم يثبت عن عصر عمر رضي الله عنه شيء إلا رواية إحدى عشرة دون معارضة لكانت رواية عطاء وحدها كافية في الدلالة على أنهم صلوا أولاً إحدى عشرة ، ثم زادوا فصلوا إحدى وعشرين أو ثلاثاً وعشرين ؛ لأن عطاء ولد بعد عهد عمر في الراجح فهذا العدد سنة من سنن الخلفاء الراشدين ، واظب عليها ثلاثة منهم أو اثنان منهم ، خلافاً لما زعمه العظيم آبادي في شرح سنن أبي داود ، وخلافاً لما زعمه المباركفوري في شرح مسلم في زعمه : أن الناس حين تركوا الإحدى عشرة ، ولزموا إحدى وعشرين أو ثلاثاً وعشرين ، قد قلبوا الوضع، فجعلوا فعل النبي صلى الله عليه وسلم فرعاً والزيادة أصلاً ، ترى من الذي قلب هذا الوضع سلف الأمة أم خلفها؟ ولماذا؟

أيمكن أن يلزم السلف إحدى وعشرين ويتركوا السنة، ويقلبوا الوضع أم هذا وهم ؟! ولماذا لا يقال إنهم لزموا الأخف من الأمرين الجائزين حسب فهم الصحابة ؟!

خامسها: أنه لو لم يثبت شيء زيادة على إحدى عشرة عن عمر رضي الله عنه فيكفي أن يثبت عن عصر الخلفاء الراشدين بعده ، كما في رواية عطاء في أبعد الاحتمالات ، بل يكفي ما ثبت عن التابعين في الحرمين من الزيادة فيما رواه مالك في المدونة عن طبقة شيوخه في المدينة المنورة ورواه الشافعي في مختصر المزني عن طبقة شيوخه في مكة ، فكل ذلك من عصور السلف ، التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهل يمكن أن يجمع السلف في الحرمين ـ ولو في طبقة تابع التابعين ـ على العمل بالزيادة على إحدى عشرة ركعة ، وهو بدعة؟! فإن قيل : إنهم اجتهدوا فأخطؤوا، فالجواب: أنكم أولى بالخطأ في الاجتهاد إن كنتم مجتهدين، ثم إنه لا يحق لمجتهد أن يجعل اجتهاده حجة على خطأ مجتهد آخر، لو كان كلاهما من السلف ، أو كلاهما من الخلف ، فكيف وأهل الزيادة من السلف هم الأكثرون وتبعهم من الخلف الأكثرون ؟!ومن عمل بما نقص عنهم هو مخالف لهم في الاختيار لا في مشروعية الزيادة ، ولا يكون مخالفاً لهم في مشروعية الزيادة ، إلا أن يدل مقاله ، أو يدل حاله على الإنكار، وهذا ما لم يستطع المنكرون أن ينقلوه عن أحد من الصحابة أو الأئمة نقلاً صحيحاً.

وقد حاول الذي ضعف سند رواية ابن خصيفة أن يضعفها من حيث المعنى أيضاً ، فزعم أن رواية ابن يوسف فيها ”أمر عمر بإحدى عشرة ركعة“ ورواية ابن خصيفة فيها أنهم كانوا يقومون في عهد عمر بثلاث وعشرين ، وهذا إقرار من عمر، والأمر أقوى من الإقرار ـ حسب رأيه ـ.

والجواب عن هذا ـ بعد التأكيد على انه لا يجوز الترجيح مع إمكان الجمع ـ هو أن رواية ابن يوسف ليس فيها الإخبار عن عمل الصحابة بقول عمر، بينما رواية ابن خصيفة فيها الإخبار عن عملهم وإقراره لهم ، فهذه الرواية تخبر عن إجماع الصحابة بالمدينة المنورة على العشرين، وإجماعهم مع إقراره أقوى من أمره وحده ، وإنما يمكن أن يكون القول أقوى من العمل ، والعمل أقوى من الإقرار، لو أن ذلك كله كان صادراً منه وحده ، أما إذا كان عمل الكثرة الكبرى من الصحابة في الحرمين يتفق مع إقراره ، ويخالف قوله ، ويستمر العمل بعده بخلاف قوله حتى نهاية العصر الراشدي وبعده ، فلا يرتاب ذو علم بأن قوله يكون حينئذٍ مرجوحاً لا راجحاً ، بل ويمكن الجمع حينئذٍ بين قوله وإقراره ، فيقال : اختار شيئاً ووافق عليه غيره ؛ لأن الفضائل لا تتعارض ، أي هو يرى أن فعلهم مفضول وقوله أفضل ، وهذا كله افتراض فيما لو احتاج الأمر للترجيح ، والواقع أنه لا يحتاج إليه ؛ لأنه يمكن حمل كل واحدة من الروايتين على غير زمن الأخرى.

بل إذا نظرنا في نص رواية ابن يوسف إحدى وعشرين وجدنا أنها تتضمن أمر عمر رضي الله عنه بذلك ؛ لأنه قال : ”إن عمر جمع الناس في رمضان على أبي بن كعب وتميم الداري على إحدى وعشرين ركعة“ فكيف يكون جمع عمر لهم بغير أن يأمرهم.

فتكون روايات الزيادة على إحدى عشرة فيها أمر عمر رضي الله عنه ، وفي بعضها عمل أهل الحرمين به صحابة وتابعين ، فهي ـ لو احتجنا إلى الترجيح بالمضمون ـ أقوى من رواية ابن يوسف الأخرى .

الروايات المرسلة :

وبالإضافة إلى هذه الروايات الثلاث المتصلات إلى عصر عمر والخلفاء الراشدين رضي الله عنهم جاءت الرواية عن ثلاثة من التابعين الذين لم يدركوا عمر رضي الله عنه تذكر أن صلاة التراويح كانت في عهده عشرين ركعة والتابعي إذا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم كانت روايته مرسلة مقبولة محتجا ًبها عند الإمام مالك وأبي حنيفة وأحمد رضي الله عنهم خلافاً للشـافعي رضي الله عنه ، بل أشار الطبري إلى أنه لا يعرف عن أحد قبل الشافعي ترك الاحتجاج بالمرسل ، وإذا روى التابعي عن الصحابة رضي الله عنهم ، كانت روايته أحرى بالقبول والاحتجاج – لو كانت وحدها – فإذا كانت معها الروايات المتصلة ازدادت قوة على قوة بلا ريب ، وإذا بنينا على القول بأنها ضعيفة في نفسها فباجتماعها تتعاضد فتصح وأحرى من ذلك أن تتقوى بها الروايات المتصلة زيادة على قوتها في نفسها:

الرواية الأولى : في مصنف ابن أبي شيبة برقم (7684) : حدثنـا حميد بن عبد الرحمن عن حسن [ هو ابن صالح ] عن عبد العزيز بن رفيع قـال: ”كان أبي بن كعب يصلي بالناس في رمضان بالمدينة عشرين ركعة ويوتر بثلاث “ ورواته من رجال الصحيحين إلا الحسن فمن رجال مسلم .

وقد زعم الذي ضعف رواية العشرين عن عهد عمر رضي الله عنه : أن هذه ضعيفة من جهتين : جهة كونها مرسلة ، وجهة كونها مخالفة للرواية عن أبي ”أنه صلى في زمن النبي صلى الله عليه وسلم إحدى عشرة ركعة ، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فأقره“ وهي صحيحة.

والجواب عن ذلك :

أولاً : أن كونها مرسلة يضعفها لو كان الاحتجاج بها وحدها ، والواقع أن الاحتجاج بها مجرد تعضيد لرواية ابن خصيفة ، والمرسل يصلح للترجيح عند المحدثين الذين يرونه ضعيفاً ، ففي تقريب النواوي مع تدريب الراوي
(1/162) قال : ”فإن صح مخرج المرسل بمجيئه من وجه آخر سنداً أو مرسلاً أرسله من أخذ عن غير رجال الأول كان صحيحاً ، ويتبين بذلك صحة المرسل ، وأنهما صحيحان لو عارضهما صحيح من طريق رجحناهما عليه إذا تعذر الجمع“([9]).

فلينظر في هذا الذين يقدمون رواية محمد بن يوسف وحدها على كل المرسلات المتعددة الأسانيد وعلى المتصلات الصحيحة معها بدعوى ضعفهن خلافاً لكل المحدثين القدماء الذين صححوها بالحجة والبرهان ، كأن هؤلاء المعاصرين هم وحدهم أهل الحديث لا أولئك الأئمة .

ثانياً : ما جاء عن أُبي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم هو شيء آخر غير هذا ـ فليسا رواية واحدة حتى يتعارضا ـ لأن هذا يقول فيه عبد العزيز : ”كان أبي يصلي بالناس في المدينة عشرين ركعة ، ويوتر بثلاث“، ولفظ ”الناس“عام ، وإمامته بعموم الناس أمر كان في خلافة عمر رضي الله عنه ، كما تقدم قريبـاً فـي هذه الرواية ، وأبي رضي الله عنه لم يكن يصلي بعموم الناس في زمن النبي  صلى الله عليه وسلم، إنما أخبر في روايته تلك عن فعل وقع منه في ليلة واحدة ، أو رآه النبي صلى الله عليه وسلم في ليلة، كما رواه البيهقي في السنن الكبرى
(2/495) : ”هؤلاء ناس ليس معهم قرآن ، وأبي بن كعب يقرأ، وهم معه يصلون بصلاته ، ولفظ ”ناس“ نكرة في سياق الإثبات لا تدل على العموم.

الرواية الثانية: في مصنف ابن أبي شيبة برقم (7682) حدثنا وكيع عن مالك بن أنس عن يحي بن سعيد : ”أن عمر بن الخطاب أمر رجلاً يصلي بهم عشرين ركعة“ ورواته رجال الصحيحين.

الرواية الثالثة: في موطأ الإمام مالك (1/115) عن يزيد بن رومان أنه قال : ”كان الناس يقومون في زمان عمر بن الخطاب بثلاث وعشرين ركعة“ ويزيد من رجال الصحيحين ومن الطبقة الصغرى من التابعين .

ولا بد من العودة إلى التأكيد على أن تلك الروايات لا تعارض رواية محمد بن يوسف السابقة ، كما أنه لا تعارض بين روايات عائشة رضي الله عنها : ثمان ركعات وعشراً وستاً ، فكما صح الإسناد عن عائشة رضي الله عنها صح عن عهد عمر رضي الله عنه ، والجمع غير ممتنع ، بل هو واجب ؛ إذ يمكن أن يكون كل منها في حـال ، فيقال في رواية محمد بن يوسف ”إحدى عشرة“ إنها كانت أولاً، ثم أمرهم بإحدى وعشرين([10]) ركعة ، أو فعلوها وأقرهم ، ومنهم جماعة كبيرة من الصحابة والباقي من كبار التابعين.

سبب زيادة الصحابة إلى العشرين :

وإنما فعلوه وأقرهم عليه ليكون أخف عليهم بتقصير القيام وتكثير الركعات كما روى الإمام مالك ما يدل على ذلك في الموطأ (1/115) : عن داود بن الحصين أنه سمع الأعرج([11]) يقول ”ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان ، قال : وكان القارئ يقرأ سورة البقرة في ثمان ركعات فإذا قام بها في اثنتي عشرة ركعة رأى الناس أنه قد خفف“ ورواته رجال الصحيحين .

زيادة السلف على العشرين بعد الصحابة رضي الله عنهم:

وكما فهم الصحابة من عمل النبي صلى الله عليه وسلم أن قيام الليل ليس له عدد معين كذلك فهم التابعون فوردت عنهم روايات بالزيادة على الصحابة.

أولاً : قال ابن أبي شيبة في مصنفه برقم (7689) حدثنا ابن مهدي عن داود بن قيس قال : ”أدركت الناس بالمدينة في زمان عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان يصلون ستة وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث“ ورواته رجال مسلم ، وإمارة أبان على المدينة المنورة كانت بين سنتي (76و83) هـ وإمارة عمر بين سنتي(87و 93) كما في تاريخ الطبري ، وفي الفترتين كان بالمدينة جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، وهم لا يسكتون على منكر، لاسيما إذا كان مخالفاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإن كانوا قلة ؛ لأنهم كانوا عند الناس قدوة صالحة ، وكان فيها كبار التابعين كابن المسيب ، وهو من كبار التابعين وأئمتهم ، ولا يعرف عن أحد منهم إنكار ذلك أيضاً ، ولم يكونوا يتهاونون بإنكار مخالفة السنة ، وقد كان سعيد مشهوراً بإنكار المنكر، وإن عرض نفسه لأذى السلاطين.

ثانياً : روى ابن القاسم في المدونة (1/222) عن الإمام مالك أنه قال : ”بعث إلي الأمير وأراد أن ينقص من قيام رمضان الذي يقومه الناس بالمدينة ـ قال ابن القاسم : وهو تسع وثلاثون ركعة بالوتر... قال مالك فنهيته أن ينقص من ذلك شيئاً ، قلت : هذا ما أدركت الناس عليه وهو الأمر القديم الذي لم يزل الناس عليه“ وإدراكه الناس على ذلك يعني أنه رآه في أول سن الإدراك وهو ست سنين أو سبع .

ومالك ولد بين سنة تسعين وسبع وتسعين ويكون في سن الإدراك سنة سبع وتسعين أو سنة مائة وأربع قريباً من خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ، وهذا يشعر بتواصل العمل على ذلك ، وقد قال الإمام الشافعي رضي الله عنه ـ كما في مسودة آل تيمية ص (332) ـ: ”إذا وجدت متقدمي أهل المدينة على شيء فلا يدخل قلبك شك أنه الحق ، وكل ما جاءك من غير ذلك فلا تلتفت إليه“ .

ثالثاً : روى المزني في مختصره ص (26) عن الإمام الشافعي أنه قال : ”رأيتهم بالمدينة يقومون بتسع وثلاثين وأحب إلي عشرون لأنه روي عن عمر رضي الله عنه وكذلك يقومون بمكة ويوترون بثلاث“ والشافعي رضي الله عنه من الطبقة الصغرى من أتباع التابعين الذين روأوا الواحد والاثنين من التابعين وتخرج بكبار تابع التابعين أمثال مالك وابن عيينة وهو يروي التراويح في الحرمين عن أهل عصره وشيوخه من السلف الصالح : التابعين وتابعيهم .

رابعاً : قال عبد الرحمن بن القاسم في المدونة (1/224) : ”وسألت مالكاً عن التنفل بين الترويحتين ، فقال : لا بأس بذلك ... ابن وهب : وقال مالك لا أرى به بأساً وما علمت أحداً كرهه“، وما بين الترويحتين هو عدد زائد على العشرين وعلى الست والثلاثين ؛ لأنهم يقومون به في استراحة الإمام بين كل أربع ركعات ، وكلمة ”ما علمت أحداً كرهه“ إن لم تكن إجماعاً فهي قريبة منه ، حتى وإن كان مالك لم يعلم المخالفين ـ فهم إن وجدوا قلة نادرة ـ وكلام مالك صريح في مشروعية ست وثلاثين ومشروعية الزيادة عليها والمدونة من أثبت ما جاء عن الإمام مالك فلا يمكن أن تضعف قوتها رواية شاذة أو منكرة ، تــزعم أنه قـال : ”لا أدري من أين أحدث الناس هذا الركوع الكثير“ وهل يعقل أن يقول ذلك وهو يصرح بأنه أدرك الناس من عصر التابعين وهم يصلون ستاً وثلاثين، وينهى أمير المدينة المنورة عن أن ينقص منها ، ويصرح أنه لا يعلم أحداً من العلماء كره التنفل بين الترويحتين ؟ ولو لم يكن عندنا دليل إلا عمل تابع التابعين في الحرمين الشريفين بالزيادة على الثمان لكان هذا جديراً أن يسمى مذهب السلف ؛ ولذلك نجد منكري الزيادة على الثمان أو الإحدى عشرة يتجاهلون هذه الروايات ، ثم كيف لا تكون الزيادة من مذهب السلف وقد ثبتت عن الصحابة والتابعين وتابع التابعين ؟!

وبهذا يعلم أن من أنكر الزيادة على ثمان ركعات ، وزعم أنها بدعة فقد خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وتابعيهم ، واتهمهم بترك السنة ؛ لأنهم خالفوا فهمه للسنة.

وحقيقة الأمر أن من زعم أن هذا الإنكار هو مذهب السلف فقد قلب الأمور رأساً على عقب ، ونسب إلى السلف قوله المخالف لكل السلف.

والمنكرون للزيادة على إحدى عشرة يزعمون أن من أصول مذهب السلفية أن يقول أو يعمل بالمسألة بعض من السلف وإن قلوا ، فهل عندهم رواية صحيحة عن أحد من السلف أنه أنكر الزيادة على فاعلها ؟ لأن هذا هو موضع الخلاف ، وليس موضع الخلاف ثبوت إحدى عشرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، كما أن الاقتصار عليها ليس موضع الاختلاف ، بل موضع الخلاف بيننا وبينهم هو هل الزيادة مستحبة أو هي بدعة؟

ثم كيف يكون مذهب السلف هو ما عمل به بعض منهم وإن قلوا، ولا يكون عمل الأكثرين من السلف هو مذهب السلف؟!

القائلون من السلف بتفضيل الثمان:

وإنكار الزيادة على ثمان يختلف اختلافاً كبيراً عن قول من يفضل الثمان من العلماء على غير ذلك من الأعداد إذ إن التفضيل يعني أن الزيادة على الثمان والنقص عنها كل منهما فاضل ، والعمل بالثمان عنده أفضل ، بينما الذي ينكر الزيادة يجعلها بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار والزيادة ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة والتابعين وتابع التابعين أي عن النبي صلى الله عليه وسلم  وجميع العصور الفاضلة عصور السلف الصالح، الذين أخبر صلى الله عليه وسلم  أنهم خير الناس {وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى} [النجم/3ـ4].

ولا ريب أنهم أحرص منا على السنة وأصوب فهماً فيها ، ولم يكونوا يشغلون أمتهم بالخلافات ، ولا يتهم أحدهم أخاه بالبدعة إذا خالفه في الاجتهاد ؛ لأنهم يعلمون أن المجتهد المخطئ مأجور، والله لا يأجر على البدعة ، ولم يكونوا يرون الخصومة ديناً باسم البراءة من أهل البدعة ، ولم يكن أحد منهم يزعم أن فهمه للسنة هو السنة ؛ لأنهم يعلمون أن ذلك مخالف لقوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} [النجم/32]، بل كانوا من الذين هم في صلاتهم خاشعون والذين هم عن اللغو معرضون ، والخشوع عندهم أهم كثيراً من عدد الركعات ، وهم {أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً سيماهم في وجوههم من أثر السجود} [الفتح/29].وصدق الله العظيم، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


([1]) تلميذ مالك، وراوي المدونة عنه.

([2]) لا يمكن أن يريد الشافعي بصيغة ”روي“ المبنية للمجهول تضعيف المروي عن عمر^؛ لأنه يكون معناه حينئذ أن الضعيف أحب إليه، وأن أهل مكة عملوا بالضعيف وتركوا القوي، وذلك ليس من شأن السلف أهل ذلك العصر.

([3]) ولا يمكن أن يريد الإمام الترمذي بصيغة ”روي“ تضعيف المروي عنهم؛ لأنا لو افترضنا أنه أراد ذلك فمعناه أن أكثر أهل العلم اعتمدوا على الرواية الضعيفة وتركوا القوية، وهو أمر مستبعد عن أهل تلك العصور، وقد أتبع الإمام الترمذي هذا الكلام بما رواه الشافعي من عمل أهل مكة بالعشرين في عصره منذ أدرك، ولا يعلم أحد أنكر عليهم ذلك.

([4]) في الموضع المتقدم ذكره.

([5]) ما بين المعكوفيين زدتها من رواية البخاري برقم /138.

([6]) ما بين المعكوفتين زدتها من رواية البخاري برقم /5957.

([7]) هذا هو الراجح عند العلماء، وقد ذهب بعض أهل العلم إلى غير ذلك

([8]) فيه صالح بن عبد الرحمن قال أبو حاتم محله الصدق وبقية رجاله رجال مسلم ومنهم أبو حرة وهشيم يدلسان لكن صرحا بالتحديث والإخبار في رواية ثانية عند الطحاوي في الموضع نفسه.

([9]) انظر: الرسالة بشرح أحمد شاكر ص (462).

([10]) كما قال البيهقي في السنن الكبرى (2/496).

([11]) الأعرج تابعي من طبقة ابن سيرين، أدرك كثيراً من الصحابة.