05 يونيو 2009

مجالس الذكرفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه على ضوء قواعد الاستدلال

مجالس الذكرفي سنة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
على ضوء قواعد الاستدلال
بقلم الدكتور: محمود أحمد الزين

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وجعل أصحابه من بعده أئمة الخلق، والصلاة والسلام على سيدنا محمد لسان الصدق، وقدوة أهل الرفق، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وأصحابه الأبرار المتقين.
وبعد...

حث النبي صلى الله عليه وسلم على الذكر الجماعي :

فإن الله تعالى أمر عباده بذكره، فقال سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً وسبحوه بكرة وأصيلاً}[الأحزاب/41]، وقد فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل الذكر ومجالسه والاجتماع عليه ـ فيما رواه البخاري ومسلم( 1) ـ فقال صلى الله عليه وسلم: (إن لله ملائكة يطوفون في الطرق، يلتمسون أهل الذكر، فإن وجدوا قوماً يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم ـ وهو أعلم منهم ـ ما يقول عبادي؟ قال: تقول: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك... قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم).
وهذا الحديث دليل صريح على استحباب الذكر جماعة، وقد صرح الملائكة بنسبة التسبيح إلى الجميع، والتكبير كذلك، والتحميد كذلك، والتمجيد كذلك، فدل ذلك على أنهم يؤدون كلاً من هذه الكلمات جماعة وبصوت واحد، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: (أمر أصحابه أن يجعلوا شعارهم في بعض المعارك: ”حم لا ينصرون“ و{حم} آية، والشعار يؤدى بصوت واحد، أو بأصوات متفرقة عالية، وإذا صح أن يقرأ القرآن بصوت واحد صح غيره من الأذكار، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم(2 ). وقد سماهم جلساء، وهم جمع جليس بمعنى مجالس، وهو المشارك غيره في الجلوس، لا بمعنى جالس، وهو فاعل الجلوس، سواء كان وحده أو مع غيره، قال في القاموس: ”وجَلِيسُكَ وجِلِّيسك: مجالسك“ فيكون المعنى أنهم قصدوا الجلوس معاً.
وهذه المجالس غير مجالس القرآن؛ لأن الملائكة حين سألهم ربهم سبحانه عما يقوله أهل المجلس؟ أجابوه فلم يذكروا القرآن، مع أنه أفضل من هذه الأذكار. ومن أوّل الذكر هنا بالقرآن فقد قصر اللفظ على بعض معناه، وخصه بلا دليل، وجعل المذكور صراحة غير مقصود، وجعل غير المذكور مقصوداً.

عمل الصحابة بذلك، وثناء الله ورسوله عليهم :

وقد عمل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذه السنة المباركة، فاجتمعوا على ذكر الله تعالى، وأثنى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على عملهم، فقد روى الإمام مسلم عن أبي سعيد الخدري^ قال: ”خرج معاوية على حلقة في المسجد فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله. قال: آلله! ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك. قال: أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، وما كان أحد بمنزلتي من رسول الله صلى الله عليه وسلم أقل عنه حديثاً مني، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج على حلقة من أصحابه، فقال: (ما أجلسكم؟) قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنّ به علينا. قال: (آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟) قالوا: والله ماأجلسنا إلا ذاك. قال: (أما إني لم أستحلفكم تهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني أن الله ـ عز وجل ـ يباهي بكم الملائكة)“( 3).
وهذا الحديث صريح في جعل مجالس الذكر على هيئة الحلقة، وذلك لا يحصل صدفة، إنما يحصل بقصد، ولا يكون إلا للاشتراك في كلمات الذكر، وإلا لم يكن للمشاركة في هيئة الجلوس معنى، وتفسير الحديث بمجالس القرآن والعلم خلاف الظاهر، وحصر للفظ الذكر في بعض معانيه دون دليل، وإلغاء لوجود الحمد الذي صرحوا به، وقد تقدم في الحديث السابق تسمية الاجتماع على التسبيح ونحوه مجالس الذكر، مع أن الملائكة لم يذكروا فيها القرآن ولا العلم، وإنما ذكروا التسبيح وأمثاله، كما تقدم. وفي هذا الحديث أيضاً تصريح بتكرار هذا الاجتماع في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعده، حين كلمهم معاوية^.

سنة الجهر بالذكر دون مبالغة :

وقد جاء التصريح بالذكر جماعة بصوت متوسط في الارتفاع، وبألفاظ خاصة بغير القرآن، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي موسى الأشعري^ قال: ”لما غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر... أشرف الناس على واد فرفعوا أصواتهم بالتكبير: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم، ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً قريباً وهو معكم) وأنا خلف دابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعني وأنا أقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فقال لي: (يا عبد الله بن قيس) قلت: لبيك يا رسول الله، قال: (ألا أدلك على كلمة من كنز من كنوز الجنة؟) قلت: بلى يا رسول الله، فداك أبي وأمي، قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)“(4 ). وهذا الحديث فيه إشارة إلى أنهم يذكرون بصوت واحد؛ لأنه بين كيف رفعوا أصواتهم بالتكبير بقوله: (الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله)، فنسب الفعل إلى الجماعة، وهم في مكان واحد، وهو صريح في النهي عن شدة رفع الصوت، صريح في جواز الرفع غير الشديد، بدليل أنه مع رفع الآخرين أصواتهم سمع النبي صلى الله عليه وسلم صوت أبي موسى ـ وهو وراءه خلف دابته ـ فلم ينكر عليه، وكذا الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي...) إلى قوله: (وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم)( 5). ومن قال: إن هذا ليس صريحاً في كون الملأ ذاكرين كلهم، يقال له: وأنت تزعم النفي والحديث لا يؤيده.
وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنه ”أن رفع الصوت بالذكر ـ حين ينصرف الناس من المكتوبة ـ كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم “( 6) وهذا مثله؛ لأن رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة يشوش على المصلي المسبوق، الذي يكمل صلاته، فإذا جاز الرفع كان الرفع عند عدم التشويش على أحد أولى بالجواز.
والذكر الجماعي مستحب حسب ما دل عليه الحديث الأول، حديث الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، وإنما ذكرت الأحاديث الأخرى التي فيها عمل الصحابة وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم تأكيداً له وتفصيلاً، ولو لم تأت رواية بذلك العمل لكان قول النبي صلى الله عليه وسلم وحده حجة كافية في إثبات الاستحباب ”إذ عدم الفعل إنما هو عدم دليل واحد من الأدلة الشرعية، وهو أضعف من القول باتفاق العلماء، وسائر الأدلة من أقواله كأمره ونهيه وإذنه، ومن قول الله تعالى هي أقوى وأكبر، ولا يلزم من عدم دليل معين عدم سائر الأدلة الشرعية“( 7).
ولا يقال كيف يترك النبي صلى الله عليه وسلم فعل عمل صالح أمر به غيره؟! وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم مأمور بالتبليغ، وهو يحصل بالقول، ولا يجب عليه حينئذٍ أن يبلغهم فعله، وقد لا يفعله أصلاً انشغالاً عنه بأفضل منه، وقد روى الإمام البخاري قول النبي صلى الله عليه وسلم: (صلوا قبل صلاة المغرب ركعتين ـ قال في الثالثة ـ لمن شاء)( 8)، ومع ذلك لم يثبت في حديث قط أنه صلاهما، وقد يكون صلاهما قبل أن يخرج إلى الناس، ولكن لم يعلنه للناس اكتفاءً بأنه بلغهم بقوله صلى الله عليه وسلم ، ولم يقل أحد من العلماء قط إن قوله صلى الله عليه وسلم لا يكون حجة حتى يفعل ما قاله، ومن اشترط ذلك فقد رد قول النبي صلى الله عليه وسلم ، ولم يرضه حجة مستقلة، ولو كان قبول قوله صلى الله عليه وسلم متوقفاً على فعله لكان إقراره ليس حجة؛ لأنه لم يقله ولم يفعله، مع أن المحدثين يعدون إقراره صلى الله عليه وسلم حجة.

توضيح قول ابن مسعود في الذين أنكر عليهم في مجلس الذكر :

وقد استنكر بعض الناس الذكر الجماعي مستندين بزعمهم إلى إنكار عبد الله بن مسعود^ فيما رواه الدارمي في المسند الجامع أن أبا موسى قال له: ”رأيت في المسجد قوماً حلقاً جلوساً، ينتظرون الصلاة، في كل حلقة رجل ـ وفي أيديهم حصى ـ فيقول: كبروا مائة، فيكبرون مائة، فيقول: هللوا مائة، فيهللون مائة، ويقول: سبحوا مائة، فيسبحون مائة، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئاً انتظار رأيك، أو انتظار التابعين، قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثم مضى، ومضينا معه، حتى أتى حلقة من تلك الحلق فوقف عليهم، فقال: ماهذا الذي أراكم تصنعون؟ فقالوا: يا أبا عبد الرحمن! حصى نعدُّ به التكبير والتهليل والتسبيح، قال: فعدوا سيئاتكم، فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد، ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده! إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو مفتتحوا باب ضلالة؟! قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا: (أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) وأيم الله! لا أدري لعل أكثرهم منكم، ثم تولى عنهم“(9 )، قال عمرو بن سلمة ـ أحد رواة الحديث ـ: رأينا عامة أولئك الحلق يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج.

وهذه الرواية فيها ملاحظات:

الأولى: أن هذا الإنكار موقوف على الصحابي، والأحاديث السابقة من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإقراره، ولا يقوى الموقوف على معارضة المرفوع أصلاً.
الثانية: أن في سندها عمرو بن يحيى بن عمرو بن سلمة الهمداني اختلف فيه قول يحيى بن معين، فوثقه في رواية إسحاق حسب ما نقله ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (6/268)، وضعفه في رواية أحمد بن يحيى، ولم يذكر الذهبي ولا ابن حجر ـ في لسان الميزان ـ إلا أن يحيى قال: ليس بشيء، وأن ابن خراش قال: ليس بمرضي، كما في لسان الميزان (4/378) ومثل هذا لا يقوى على أن يعارض به ما جاء في الصحيحين أو أحدهما، ولو كان مرفوعاً، فكيف وهو موقوف على الصحابي؟!
الثالثة: أن النظر التفصيلي في هذه الرواية يقتضي ترجيح حديث الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر، ويظهر ذلك فيما يلي:
أولاً: أظهر ما يدل عليه أثر ابن مسعود إنكاره عليهم عد الذكر ـ بغض النظر عن عد ذلك بواسطة الحصى ـ لأنه جعل العد إحصاءً على الله خشية ضياع الأجر، وضمن لهم ألا يضيع منه شيء، وذلك الإنكار لا فرق فيه بين أن يكون الإحصاء بالأنامل أو غيرها، فكله إحصاء، وقد روى ابن أبي شيبة في المصنف عن إبراهيم قال: ”كان عبد الله يكره العد، ويقول: أيمنّ على الله حسناته؟“( 10).
ولكن المؤمن لا يريد بالعد أن يحاسب ربه، إنما يريد أن يحاسب نفسه، هل أدى العدد المطلوب أم لم يؤده؟.
ثم إن كراهية العد ـ التي ظنها ابن مسعود مناً على الله ـ  تعارض أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أصحها حثه على التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين بعد الصلاة المفروضة، ولا يمكن معرفة ذلك إلا بالعد، ومنها أنه صلى الله عليه وسلم كان يعد التسبيح بيمينه، ولابد من أحد أمرين: إما أن يكون ابن مسعود أراد إنكار ذلك، فيكون ترك قوله واجباً ترجيحاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والفعلية، وإما أن يكون أراد شيئاً آخر بالإنكار.
ثانياً: قد يقال إنه أراد إنكار التحلق في الذكر، وهذا لو أراده لكان إقرار النبي صلى الله عليه وسلم الذي سبق في صحيح مسلم، ومعه ثناء الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على المتحلقين في الذكر أحق بالإتباع، ويقال حينئذٍ: لعل الأحاديث التي فيها التحلق في مجالس الذكر لم تبلغه فأنكره، وقد تكرر من بعض الصحابة إنكار ما لم يبلغهم، ومع ذلك فهذا الإنكار غير واضح قصده من      عبد الله^، بل هو مصرح بقصد إنكار العد؛ لكونه إحصاءً على الله.
ثالثاً: قد يقال إنه أنكر عليهم عند التسبيح بالحصى؛ لأن السنة العد عند التسبيح بالأصابع. والجواب عن ذلك هو أن ظاهر كلامه لا يدل على قصد هذا المعنى، فلا يصح نسبته إليه، وإن قصده فالتسبيح بالحصى ثابت من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم ، وإقراره مقدم على إنكار الصحابي، فلعل الصحابي لم يبلغه هذا الحديث، وقد رواه الترمذي في أبواب الدعوات عن عائشة بنت سعد بن أبي وقاص^ عن أبيها أنه دخل مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على امرأة وبين يديها نوى أو حصى تسبح بها، فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا وأفضل؟: (سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك)( 11) قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من حديث سعد.
وفي المستدرك للحاكم: ثنا هاشم بن سعيد عن كنانة [مولى صفية] عن صفية& قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبين يدي أربعة آلاف نواة أسبح بهن... الحديث بمعنى الحديث السابق، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، قال: وله شاهد من حديث المصرين بإسناد أصح من هذا، ثم ساقه من طريق ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث أن سعيد بن أبي هلال حدثه عن عائشة بنت سعد عن أبيها: ”أنه دخل مع النبيصلى الله عليه وسلم على امرأة...“الحديث(12 )، ووافقه الذهبي، فقال عن كل من الحديثين ـ أي الإسنادين ـ : صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه(13 ). فهؤلاء أربعة من أئمة الحديث يصححون الحديث، وعلى افتراض ضعف الإسنادين فهو ضعف قريب غير شديد، فيعضد أحدهما بالآخر، وأما تضعيف بعض المعاصرين للحديث فهو مردود عليهم بعد تعاقب أولئك الأئمة على قبوله، وقد صنفت في السبحة كتب نقضت ذلك التضعيف بالأدلة، وأظهرت قوة ما قاله الأئمة المذكورون، غير أن أنصار منكري السبحة يصرون علينا أن نقلد شيوخهم المتأخرين مهما خذلهم الدليل، ويأبون أن نأخذ أقوال الأئمة الكبار مهما عضدها الدليل، ومع ذلك يتهموننا بالعصبية، وأقل الإنصاف أن يعدوا ذلك من مسائل الخلاف، ولا يجوز لأحد أن يلزم غيره فيها بما يراه هو، ولا أن يحكم عليه بالبدعة، ومن أجاز ذلك لزمه أن يتهم مخالفيه من الصحابة بالابتداع، وهذا نقيض حال السلف، بل هو من باب شتم آخر هذه الأمة لأولها.
وعلى كل حال فمسألة السبحة والعد بالحصى غير مسألة الاجتماع على الذكر، وقد صرحت السنة النبوية بمشروعيته قولاً وعملاً، وقد كان أئمة أهل السنة لا يقبلون في معارضة السنة قول أحد ولا فعله. وقد اشتهر عن الإمام أحمد بن حنبل أنه ”لم يكن يقدم على الحديث الصحيح عملاً، ولا رأياً، ولا قياساً، ولا قول صاحب، ولا عدم علمه بالمخالف، الذي يسميه كثير من الناس إجماعاً، ويقدمونه على الحديث الصحيح، وقد كذَّب أحمد من ادعى هذا الإجماع“( 14).
وقد يقال: إن ابن مسعود^ أنكر عليهم تلقين واحد منهم للآخرين ما يقولونه عند ابتداء كل مائة، وما ذلك التلقين إلا طلب للذكر، وإذا كان الذكر الجهري طاعة فطلبه طاعة، وإذا كانت الجماعة في الذكر الجهري مشروعة فالتلقين عند بدء كل نوع منه يبعد التشويش عن الجماعة، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في سوق ذي المجاز وهو يكرر قوله: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)، فهل يقال لمن يكررها جواباً للنبي صلى الله عليه وسلم يومئذ إنه مخالف للسنة؟! لقد روى الإمام أحمد في المسند ”عن ربيعة بن عباد الديلي ـ وكان جاهلياً أسلم ـ فقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، وهو لا يسكت، يقول: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا)“( 15). ورواه الحاكم في المستدرك( 16)  وفيه ”يرددها مراراً“ بدل قوله هنا ”وهو لا يسكت“.
والتلقين نوع من التذكير، والتذكير طلب الذكر، وقد روى الإمام مسلم (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله)( 17) ، وهو من جملة التذكير الوارد في القرآن الكريم {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات/55]. والتذكير جوابه من سامعه أن يذكر الله تعالى، فلماذا يجوز تلقين الذكر عند الموت خصوصاً، وما هو إلا التذكير؟!
 وقد يكون التذكير بالشعر والحداء، كما روى الإمام البخاري عن سلمة بن الأكوع قال: ”خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فقال رجل من القوم: أي عامر لو أسمعتنا من هناتك، فنزل يحدو بهم يذكر: تالله لولا الله ما اهتدينا“، وقد روى البخاري تمام هذا الشعر في كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، وهو:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا        ولا تصـدقنا ولا صـلينا
فاغفـر فـداء لك ما أبقينا        وثبت الأقـدام إن لاقينا
وألـقيـن سـكيـنـة عـلينـا      إنا إذا صيــح بنـا أبيـنـا
          وبالصيـاح عـولـوا علينـا
وإذا كان المطلوب من سامع التذكير أن يذكر الله تعالى فليس السفر ـ وفي حالة الركوب خصوصاً ـ مناسباً للعلم، وليس جواب هذه الأبيات بقراءة القرآن؛ إذ لو قرؤوا القرآن حينئذٍ لم يطلبوا هذا الحداء، ولا يقرهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحداء واستماعه حينئذٍ تشويش على تلاوة القرآن، وإجابة هذا التذكير تتناسب معه إذا كانت بمعناه، وهو تسبيح الله وحمد الله تعالى واستغفاره ودعاؤه، ولا ريب أن هذه الأمور من ذكر الله تعالى، كما مر في حديث الملائكة الذين يتتبعون مجالس الذكر.        
وهكذا يجد الناظر المتبصر في كلام ابن مسعود^ أن هذه الأمور المذكورة لا يصح أن تكون موضع استنكار؛ لأنه^ صرح بما أراد إنكاره، وهو عد التسبيح وإحصاؤه، وعد الأذكار ثابت في السنة النبوية ثبوتاً لا يحتمل النقض، فلم يبق شيء يمكن حمل الإنكار عليه بوجه معقول ـ إن لم نأخذ بذلك التصريح منه ـ إلا أنه رأى عليهم علامات تدل على أنهم غافلون لاهية قلوبهم، يراؤون الناس بالذكر، قد تركوا الصحابة وهم متوافرون، واتخذوا لهم قدوة من غيرهم ليس عالماً، وهذا يمكن أن يؤخذ من قوله في تمام هذه الرواية: ”إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثنا (أن قوماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم) وايم الله لا أدري لعل أكثرهم منكم“. ومعنى (لا يجاوز تراقيهم) أنه لا يصل إلى قلوبهم.
وأخيراً فإن من معاكسة مناهج العمل بالقرآن والسنة أن يأخذ المرء بقول الصحابي، ويعرض عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة الصريحة إذا اختلفا باسم اتباع الاستدلال دون الرجال، وباسم اتباع السلف، واتباع السلف إنما كان مشروعاً لحرصهم على اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الاكتفاء بالأدلة العامة في الذكر :

وإن من أعجب ما يستدل به من ينكرون الذكر الجماعي قولهم: إن الأدلة العامة والمطلقة لا تكفي دليلاً على مشروعية الذكر بصفات خاصة، فقوله تعالى: {اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب/41] لا يكفي ما فيه من الاطلاق على مشروعية أي ذكر بأي صفة كان كالجهر والاجتماع، وكذلك لا يكفي قوله سبحانه: {إن المسلمين والمسلمات} إلى قوله {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} [الأحزاب/35] لا يكفي دليلاً على أن كل فرد من الذاكرين والذاكرات يستحق هذا الجزاء على أي صفة كان في حالة ذكره لله عز وجل، فهذه الصفة الخاصة تجعل الذكر غير مشروع، وتجعله بدعة، حسب رأيهم.
وقبل الإجابة على هذه الدعوى ينبغي أن نعلم أن هذه الدعوى ـ ولو صحت ـ لا تضعف إثبات مشروعية الذكر الجماعي ؛ لأن أدلة مشروعيته خاصة ليست عامة، كما اتضح من عرضها فيما سبق، وهي دعوى لم تصح؛ لأن اللفظ {اذكروا} للجماعة فمنعوها، وأوجبوا الانفراد، وكذلك الخبر في الآية الثانية هو خبر عن الجماعة فمنعوها وأوجبوا الانفراد، وكذلك الجهر فيه، والتحلق فيه؛ لثبوتهما في الأحاديث السابقة صراحة، وثبوت كونه بصوت واحد بدلالة الإشارة إشارة. فإذا اعتمدنا منهج من يكتفي بالعموم كانت الأدلة الخاصة مؤكدة، أما تأويلها اعتماداً على مجرد الاحتمال دون مرجح فهذا تهرب من السنة والعمل بها، مع دعوى التمسك بها، ولا يجوز التأويل إلا بدليل يرجحه على الظاهر.
وأول ما ينبغي بيانه في جواب هذه الدعوى: أن المطلق لا بد من وقوعه على صفة خاصة يتقيد بها إطلاقه، فقوله تعالى: {اذكروا الله} لا بد أن يقع به العمل بصفة الإفراد أو الاجتماع، وبصفة الإسرار أو الجهر، وليس أي واحد من القيدين مذكوراً في الآية، وإذا كان الأمر كذلك فلا بد من إيقاع الفعل مع أحد القيدين المتعارضين، فمن منع أحدهما ـ مع أنهما مستويان في الاحتمال ـ كان عاملاً برأيه، لا بالسنة، لاسيما إذا كان الوجه الذي منعه مصرحاً به في الأحاديث، كما تقدم، بل يكون قصد تلك الصفة عبادة؛ لأنها اتباع للسنة، وكذلك يقال في اللفظ العام كقوله تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} [الأحزاب/35] لا بد من وقوعه مع أحد تلك الأوصاف الخاصة، ولا يجوز منع واحد منها، أو ترجيح العمل به بلا مرجح؛ لأنه حينئذٍ عمل بالهوى، سواء كان إسراراً أم جهراً، انفراداً أو اجتماعاً.
ولا خلاف بين العلماء في مشروعية فعله مع أي واحد من تلك القيود والأوصاف الخاصة؛ لأنه لا ينفك عنها جميعاً في آن واحد، وتركها جميعاً ترك للعمل نفسه، وهو يؤدي إلى عدم امتثال الأمر في نحو قوله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب/41].
إنما الخلاف في التزام أحد القيود، أو أحد المخصصات ـ إذا لم يكن هناك دليل لها ـ بأن لا يذكر الله تعالى إلا منفرداً مثلاً أو سراً، وكذلك لو عكس فالتزم هيئة الاجتماع أو الجهر، فهل يجوز هذا الالتزام نظراً إلى اندراجه في دليل العموم أو الإطلاق، أو هو منهي عنه نظراً إلى أن هذا الالتزام بهيئة معينة فيه تخصيص للعموم بلا دليل، أو تقييد للمطلق بلا دليل؟ولا مانع عند هؤلاء من فعله على أي هيئة دون التزام دائم بها. قال في الاعتصام( 18) : ”فإن ذلك التخصيص والعمل به إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط كان تشريعاً زائداً“. وقد سبق أن الاجتماع والجهر منصوص في السنة على مشروعيتهما، فهذا الكلام يقال على افتراض أنه لا دليل لمجالس الذكر إلا العموم أو الإطلاق.
وقد كان الإمام الشافعي يرى أن هذا الالتزام لا مانع منه، ولا يحتاج إلى دليل خاص، نظراً إلى أن التزام أي هيئة معينة لا يخرج العمل عن اندراجه ضمن الدليل العام أو المطلق؛ لأنه كان مطلوباً من جهة اندراجه فيه، دون نظر إلى الأحوال؛ لأنها تابعة للعمل نفسه، ولو كان لها حكم يختلف عن حكمه لبين الشرع دليله، وهذا ما يظهر من قوله في الذبائح من كتاب الأم: ”والتسمية على الذبيحة باسم الله، فإذا زاد على ذلك شيئاً من ذكر الله عز وجل فالزيادة خير، ولا أكره مع تسميته على الذبيحة أن يقول: صلى الله على رسول الله، بل أحبه له، وأحب له أن يكثر الصلاة عليه، فيصلي عليه في كل الحالات؛ لأن ذكر الله عز وجل والصلاة عليه إيمان بالله تعالى وعبادة له يؤجر عليها... ولقد خشيت أن يكون الشيطان أدخل على بعض أهل الجهالة النهي عن ذكر اسم رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الذبيحة ليمنعهم الصلاة عليه في حال لمعنى يعرض في قلوب أهل الغفلة، وما يصلي عليه أحد إلا إيماناً بالله“، وهذا تصريح بأي ذكر كان زيادة على التسمية والتكبير.
وكذلك نص على استحباب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول، ولم يذكر لها دليلاً يخصها، ثم قال في الأم (1/117): ”إن ترك التشهد الأول والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأول لا إعادة عليه، وعليه سجدتا السهو لتركه“.
وهذه قاعدة عامة في مذهب الشافعي في الأصول، كما نص القاضي زكريا الأنصاري في مختصره ”لب الأصول“ حيث قال: ”وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والأمكنة على المختار“( 19)  قال في الشرح: ”لأنه لا غنى للأشخاص عنها، فقوله تعالى {فاقتلوا المشركين} أي كل مشرك على أي حال كان في أي زمان ومكان كان، وخص منه البعض“ وهذا يعني أن الهيئات الخاصة مشروعة بناءً على العموم الاستلزامي، فقوله تعالى: {إن المسلمين والمسلمات... والذاكرين الله كثيراً والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} [الأحزاب/35] شامل لكل ذاكر وذاكرة في كل حال ـ جماعة وفرادى، جاهرين ومسرين، قائمين أو قاعدين، ثابتين أو متمايلين ـ وفي كل زمان ومكان، دون حاجة إلى دليل آخر، لكن استثناء أي فرد أو حال يحتاج إلى دليل يخصص هذا العموم، أو يقيد الإطلاق الذي في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب/41]. ومن استثنى أي شيء من ذلك بلا دليل خاص كان هو المبتدع.     
وبناءً على مذهب الشافعي هذا اتفق ابن الصلاح وابن عبد السلام على أن الهيئة الخاصة الممنوعة من الصلاة لا تمنع إلا بدليل، وذلك لشمول الأمر بالصلاة كل الهيئات الخاصة، اتفقا على ذلك في كلامهما عن صلاة الرغائب، رغم اختلافهما في مشروعيتها، وقد طبعت فتوى كل منهما في رسالة بعنوان ”مساجلة علمية بين الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح“ ففي ص (16) علل ابن الصلاح مشروعيتها بأنها ”داخلة تحت الأمر المطلق الوارد في الكتاب والسنة بمطلق الصلاة، فهي إذن مستحبة بعمومات النصوص“ ثم قال: ”إن ما فيها من الأوصاف الزائدة يوجب نوعية خصوصية غير مانعة من الدخول في هذا العموم“.
ولما رد عليه ابن عبد السلام قال ص (33): ”وأما ما ذكره من إحداث الصلوات التي توقع على أوصاف خاصة فجوابه: أن الأوصاف ضربان: أحدهما: ما يقتضي الكراهة كصلاة الرغائب، فتلك بدعة مكروهة. الثاني: ما لا يقتضي الكراهة، فيكون من البدع الحسنة“.
وكان ابن عبد السلام قد قال ص (3): ”فإن البدع ثلاثة أضرب: أحدها: ما كان مباحاً كالتوسع في المآكل... الضرب الثاني: ما كان حسناً، وهو كل مبتدع موافق لقواعد الشريعة، غير مخالف لشيء منها، كصلاة التراويح... الضرب الثالث: ما كان مخالفاً للشرع، أو ملتزماً لمخالفة الشرع، فمن ذلك صلاة الرغائب“.
ثم راح يسوق الأدلة على ما فيها من مخالفة الشريعة في هيئاتها.
وهذا يعني أن ما حدث من الأعمال بعد عصر النبي صلى الله عليه وسلم يسمى في اللغة بدعة؛ لأنه جديد، لكن لا يسمى في الشرع بدعة حتى ينظر إليه في ميزان قواعد الشرع، فإن شملته أدلة الإباحة سمي في الشرع مباحاً، وإن شملته أدلة المشروعية من وجوب أو استحباب سمي حسناً؛ لأن أدلة الشرع حسنته، ولا يضره أن يسمى بدعة من حيث اللغة؛ لحدوثه بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، كزيادة عثمان^ أذاناً آخر للجمعة غير الذي كان في زمن النبي^، كما روى البخاري في صحيحه رقم (870)، وإن شملته أدلة التحريم أو الكراهة كان بدعة منكرة شرعاً، كما هو بدعة لغة، وذلك إذا كان عبادة لا دليل يثبت أنها قربة ولو بعمومه، وإذا كان معاملة أثبت الدليل أنها منهي عنها يكون بدعة أيضاً، ولو بعمومه، ومعلوم أن أكثر الأمور الشرعية دليلها عمومي، ومن قال لا أعمل بالدليل العام حتى أجد الدليل الخاص، فقد عطل العمل بأدلة العموم فصارت عنده بلا فائدة، وكان قد قدم عدم الدليل ـ وهو المسمى بالاستصحاب على الدليل الثابت، قال الشوكاني : ”استصحاب الدليل مع احتمال المعارض إما تخصيصاً إن كان الدليل ظاهراً، أو نسخاً إن كان الدليل نصاً، فهذا أمر معمول به إجماعاً“(20 ).
وقال ابن تيمية: ”فما أوجبه الله تعالى في كتابه كالوضوء والصلاة والحج وغيرها، وما حرمه كالميتة والدم ولحم الخنزير حرمه بنصوص عامة، وهي راجحة ومقدمة على البراءة الأصلية، النافية للوجوب والتحريم“. والاستدلال بالبراءة الأصلية هو الاستدلال بالاستصحاب.
وابن تيمية ـ مع قوله بأنه يتعين بقاء حديث (كل بدعة ضلالة) على عمومه، ولا ينبغي أن يقال هو مخصوص ـ يقول: بأن مآل القولين واحد، ففي الفتاوى (27/152): ”والبدعة الحسنة ـ عند من يقسم البدعة إلى حسنة وسيئة ـ لا بد أن يستحبها أحد من أهل العلم، الذين يقتدى بهم، ويقوم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة... فالبدعة عند هؤلاء: ما لم يقم دليل شرعي على استحبابها، وكذلك من يقول: البدعة الشرعية كلها مذمومة... فالبدعة عند هؤلاء ما لم يقم دليل شرعي على استحبابه، وقال: القولين واحد“.
ولا يشترط في الدليل الشرعي أن يكون مجمعاً عليه، أو أن يسلمه المخالف، وإلا كان كل العلماء والأئمة المختلفين أهل بدعة.

بعض العلماء يشترط دليلاً خاصاً للهيئة :

وبعض أهل العلم يرى أنه لا بد من الدليل الخاص لتلك الأحوال والهيئات الخاصة، فإن لم يوجد لها دليل خاص كانت غير مشروعة في نظرهم، وربما عبروا عنها بالبدعة، أي في نظرهم وحسب علمهم، ويظهر ذلك الخلاف في كتاب ”إحكام الأحكام“ لابن دقيق العيد (1/173) حيث قال: ”وقد تباين الناس في هذا الباب تبايناً شديداً... والتباين في هذا يرجع إلى الحرف الذي ذكرناه، وهو إدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، أو طلب دليل خاص على ذلك الشيء الخاص، وميل المالكية إلى هذا الثاني، وقد ورد عن السلف الصالح ما يؤيده“.
ثم ذكر أمثلة من إنكار السلف، هي إنكار ابن عمر صلاة الضحى ودعاء القنوت، وإنكار عبد الله بن مغفل الجهر بالبسملة، وإنكار ابن مسعود على الذين رآهم مجتمعين في الذكر كما سبق.
والجواب عن هذا كله من وجه إجمالي، ومن وجه تفصيلي. فالجواب الإجمالي: أن هذا النقل عن المالكية لا يصح بهذا الإطلاق، إنما يصح عن بعضهم دون بعض، والإمام مالك روي عنه مايؤيده، وروي عنه ما يخالفه ويؤيد القول الآخر، وجاء عن الصحابة أيضاً ما يؤيد القول الآخر مع إقرار النبي صلى الله عليه وسلم. وقول الصحابة إذا كان معه إقرار النبي صلى الله عليه وسلم كان أقوى، واختلاف الصحابة يعني أن المسألة اجتهادية، المصيب فيها له أجران، والمخطئ له أجر، وإذا كان له عند الله أجر على اجتهاده ـ وإن أخطأ ـ فمحال أن يكون قوله بدعة ضلالة منكرة عند الله تعالى؛ لأن صاحب البدعة الضلالة في النار، كما صرح النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار)، إنما يقال له بدعة في نظر مخالفه، والله لا يحاسب أحداً من عباده بناءً على قول مخالفيهم، إنما يحاسبهم بناءً على ما بينه لهم، وقد بين لهم أن المخطئ في اجتهاده مأجور، ولو لم يكن الذي يخالفنا مأجوراً في اجتهاده وغير مبتدع لكان المخطئ في اجتهاده من الصحابة وسائر السلف مبتدعاً، ولا أحد من أهل السنة يقول ذلك، وهذا أمر لا يختلف فيه أهل العلم المقتدى بهم عند الأمة، وابن تيمية يتابعهم على ذلك، وهذا أمر واضح كل الوضوح في الفتاوى، حيث يقول: ”فما دخل في هذا الباب مما نهى الله عنه ورسوله من التعصب، والتفرق، والاختلاف، والتكلم بغير علم، فإنه يجب النهي عنه... فأما من ترجح عنده فضل إمام على إمام، أو شيخ على شيخ بحسب اجتهاده ـ كما تنازع المسلمون أيهما أفضل الترجيع في الأذان أو تركه، وإفراد الإقامة أو إثناؤها، وصلاة الفجر بغلس أو الإسفار بها، والقنوت في الفجر أو تركه، والجهر بالتسمية أو المخافتة بها أو ترك قراءتها، ونحو ذلك ـ فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده، من كان فيها أصاب فله أجران، ومن كان قد اجتهد فأخطأ فله أجر، وخطؤه مغفور له، فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي“( 21).
فهذا يبين أن السلف والأئمة كان كل منهم يقر الآخر على اجتهاده، ولا ينكر عليه. والإنكار غير الحوار وبيان الأدلة، ومحاولة كل إنسان منهم إظهار حجته، وإظهار جوابه على دليل مخالفه، فهذا الحوار لم يزل دأب المنصفين من أهل العلم.

مناقشة قول ابن دقيق العيد :

 ومقصود هذا البحث ـ إن شاء الله ـ بيان حجة القائلين بمشروعية الذكر الجماعي، وبيان الجواب عما استدل به مخالفوهم، وقد تقدمت حجة المشروعية أول البحث، والمراد الآن بيان الجواب عن قول ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ وذلك من جوانب ثلاثة: أولها: جواب قوله: إن المالكية لا يكتفون بإدراج الشيء المخصوص تحت العمومات، بل يطلبون دليلاً خاصاً له، وثانيها: بيان قول مالك ـ رحمه الله ـ وثالثها: جواب قوله ”قد ورد عن السلف ما يؤيد ذلك“.
تفصيل قول المالكية :
فالمالكية غير متفقين على هذا، ويظهر ذلك في مسألة الاجتماع على الذكر، فإن الشاطبي كان ينكر ذلك، ويؤكد ضرورة وجود الدليل الخاص، وأنه إذا لم يوجد كان العمل غير مشروع بتلك الهيئة الخاصة، بل يكون بدعة إضافية، لكنه في الوقت نفسه ينقل عن بعض شيوخ مذهبه إقرار ذلك، والاحتجاج له تفصيلاً، وينقل مثل ذلك في الدعاء بعد الصلاة المكتوبة عن بعض المالكية، وهو شيخه الأبي شارح صحيح مسلم، وينكر عليهما. والإنكار هو اجتهاده، وهو لا ينقض اجتهادهما، بل يثبت بذلك اختلاف المالكية في القاعدة وفي المثالين المذكورين، فقال عن الذكر الجماعي في الاعتصام (1/193): ”وكان من قدر الله أن بعض الناس سأل بعض شيوخ الوقت في مسألة تشبه هذه، لكن حسن ظاهرها بحيث يكاد باطنها يخفى على غير المتأمل، فأجاب عفى الله عنه على مقتضى ظاهرها من غير تعرض إلى ما هم عليه من الضلالات“.
والمهم هنا معرفة جوابه، ومعرفة حقائق القضية التي أفتى فيها، وذكر الأدلة على إفتائه، أما ما كان عليه القوم من الضلالات غير القضية التي أفتى فيها، فهي ممنوعة غير مشروعة، ولا حجة لأهلها في تلك الفتوى، فيكون المنع منها لوجود تلك الضلالات، لا لأجزاء الصورة التي أفتى بمشروعيتها، قال في الاعتصام (1/193):
”ونص خلاصة السؤال: ما يقول الشيخ فلان في جماعة من المسلمين يجتمعون في رباط على ضفة البحر، في الليالي الفاضلة، يقرؤون جزءاً من القرآن، ويستمعون من كتب المواعظ والرقاق ما أمكن في الوقت، ويذكرون الله تعالى بأنواع التهليل والتسبيح والتقديس، ثم يقوم من بينهم قوال يذكر شيئاً في مدح النبي صلى الله عليه وسلم، ويلقي من السماع ما تتوق له النفس، وتشتاق سماعه من صفات الصالحين، وذكر آلاء الله ونعمائه، ويشوقهم بذكر المنازل الحجازية والمعاهد النبوية، فيتواجدون اشتياقاً لذلك، ثم يأكلون ما حضر من الطعام، ويحمدون الله تعالى، ويرددون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويبتهلون بالأدعية إلى الله في صلاح أمورهم، ويدعون للمسلمين ولإمامهم، ويفترقون، فهل يجوز اجتماعهم على ما ذكر، أم يمنعون وينكر عليهم؟“.
قال الشاطبي (1/194): ”فأجاب بما محصوله: مجالس تلاوة القرآن وذكر الله هي رياض الجنة، ثم أتى بالشواهد على طلب ذكر الله. وأما الإنشادات الشعرية فإنما الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح... وقد أنشد الشعر بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورقت نفسه الكريمة، وذرفت عيناه لأبيات أخت النضر، وأما التواجد عند السماع فهو في الأصل رقة النفس، واضطراب القلب، فيتأثر الظاهر بتأثر الباطن، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم} [الأنفال/2]، أي اضطربت رغباً أو رهباً، وعن اضطراب القلب يحصل اضطراب الجسم... فإنما التواجد رقة نفسية، وهزة قلبية، ونهضة روحانية، وهذا هو التواجد عن وجد، ولا يسمع فيه نكير من الشرع“.
ثم ذكر الشاطبي ما يوافق عليه من هذه الفتوى وما يخالفه، والذي يخالفه هو أشياء زائدة على ما جاء في نص السؤال والجواب، فليست تعنينا هنا، وإن كان بعضها لا يسلم له، فالمقدار الذي جاء في نص الجواب يدل على أن المالكية ليسوا متفقين على عدم مشروعية الأمور المندرجة في العمومات بأصلها دون هيئتها.
وكذلك أنكر الشاطبي التزام الدعاء الجماعي بعد الصلوات، وذكر مع ذلك قول من يجيزه في الاعتصام ص (257): ”وقعت نازلة: إمام مسجد ترك ما عليه الناس بالأندلس من الدعاء للناس بآثار الصلوات بالهيئة الاجتماعية على الدوام، وهو أيضاً معهود في أكثر البلاد، فإن الإمام إذا سلم من الصلاة يدعو للناس ويؤمن الحاضرون، وزعم التارك أن تركه بناء منه على أنه لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا فعل الأئمة بعده“ إلى أن قال ص (260): ”فبلغت الكائنة بعض شيوخ العصر، فرد على ذلك الإمام رداً أمرع فيه على خلاف ما عليه الراسخون، وبلغ من الرد أقصى غاية ما قدر عليه، واستدل بأمور، إذا تأملها الفطن عرف ما فيها“.
ويبدو أن الشيخ المشار إليه هو شيخه (فرج بن قاسم بن لب الغرناطي) فقد جاء في كتاب ”المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب“ ص (696): أن الكائنة بلغته ”فأنكر ترك الدعاء إنكاراً شديداً“، ثم قال صاحب ”المنهج المنتخب“ ص (699): ”سأل أهل سلا الإمام أبا عبد الله بن عرفة عن إمام الصلاة إذا فرغ منها، هل يدعو ويؤمن المأمومون؟... فأجاب: مضى عمل من يقتدى به في العلم والدين من الأئمة على الدعاء بأثر الذكر الوارد بأثر تمام الفريضة، وما سمعت من ينكره إلا جاهل غير مقتدى به... وأجاب كبير تلامذته وقاضي الجماعة... الغبريني: الصواب جوازه على الهيئة المعهودة، إذا لم يعتقد كونه من سنن الصلاة أو فضائلها أو واجباتها على الهيئة المعهودة، وكذلك الأذكار بعدها على الهيئة المعهودة... بلسان واحد“.
وكذلك كان الأبي شارح صحيح مسلم لا يرى هذا الدعاء مكروهاً، فقد قال في (2/516):
”ذكر عبد الحق إثر هذه الأحاديث أماكن قبول الدعاء، وأن منها الدعاء إثر الصلاة، وذلك يدل على عدم كراهة الدعاء إثر الصلاة كفعل الأئمة والناس اليوم، وكان الشيخ الصالح أبو الحسن المنتصر ـ رحمه الله ـ يدعو إثر الصلوات، وذكر بعضهم أن في كراهته خلافاً، وأنكره الشيخ، وقال: لا أعرف فيه كراهة. قلت: ذكرها القرافي عن مالك في آخر ورقة من القواعد، وعللها بما يقع في نفس الإمام من التعاظم“.
وهذا التعليل يعني أنه لا يكره لكونه هيئة غير مروية، بل بسبب ما يعرض لنفس الإمام من التكبر، فإذا انتفى ذلك لم يكن مكروهاً، ويؤكد هذا ما قاله مالك في المدونة (1/144): ”في إمام مسجد الجماعة، أو مسجد من مساجد القبائل. قال: إذا سلم فليقم، ولا يقعد في الصلوات كلها، قال: وأما إذا كان إماماً في السفر، أو إماماً في فنائه، ليس بإمام جماعة، فإذا سلم فإن شاء تنحى، وإن شاء أقام“، ولو كان مكروهاً لكونه هيئة غير مروية لكان مكروهاً لكل إمام في كل حال.
وفي ”المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب“ ص (697): نقل عن البرزلي قول شيخه ابن عرفة: ”إن كان على نية أنه من سنن الصلاة فهو غير جائز، وإن كان مع السلامة من ذلك فهو باق على حكم أصل الدعاء، والدعاء عبادة شرعية، فضلها من الشريعة معلوم عظمه، ولا أعرف فيها في المذهب نصاً، إلا أنه وقع في العتبية( 22)  في كتاب الصلاة كراهة مالك الدعاء قائماً، فمفهومه عدم كراهته جالساً“. وكلام ابن عرفة صريح في أن الهيئة الخاصة لما هو مشروع بالدليل العام تكون في الأصول مشروعة تبعاً له، إلا أن يكون فاعلها يعتقد أن الهيئة نفسها عبادة كاعتقاد الدعاء بعد الصلاة من سننها.
وكل ما تقدم يبين أن كل ما قاله ابن دقيق العيد من ”أن المالكية يميلون إلى أنه لا بد من الدليل الخاص للهيئة الخاصة“ هو قول ليس على إطلاقه، بل فيهم من يميل إلى عكسه.


قول الإمام مالك في الهيئات الخاصة :

 ويتأكد هذا أكثر إذا نظرنا في قول مالك ـ رحمه الله ـ وقول أصحابه في مسألة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مع ذكر اسم الله على الذبيحة، وهو أمر ليس له دليل إلا عموم الأمر بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم دون تعيين هيئة أو حالة أو زمان، فقد قال ابن حبيب في ”الواضحة“ حسب نقل ”البيان والتحصيل“ (3/281): ”وأجاز أن يقول بعد التسمية صلى الله على رسول الله“ وفي ”المدونة“ (2/66): ”قلت: هل كان مالك يكره أن يذكر على الذبيحة صلى الله على رسول الله بعد التسمية، أو يقول: محمد رسول الله،بعد التسمية؟ قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً، وذلك موضع لا يذكر هنا إلا اسم الله وحده“.
وفي ”النوادر والزيادات“ (4/360): ”قال ابن القاسم: إن في بعض الحديث موطنين لا يذكر فيهما إلا الله تعالى:الذبيحة، والعطاس، فلا يقل: بسم الله والله أكبر محمد رسول الله، ولا في العطاس: الحمد لله محمد رسول الله، ولو قال مع ذلك: وصلى الله على محمد لم تكن تسمية له مع الله سبحانه، وقال أشهب: لا ينبغي أن تجعل الصلاة على النبيصلى الله عليه وسلم في هذا استناناً“.
 ولا معنى للاستنان ههنا إلا أحد أمرين: إما أن يفعل ذلك على أنه سنة ثابت فعلها عن النبيصلى الله عليه وسلم مع التسمية على الذبيحة، أو يلتزم كالسنة فلا يترك، وقد حكى الربيع في ”الأم“ (2/240): ”قال مالك: لا يصلى على النبيصلى الله عليه وسلم مع التسمية على الذبيحة“.


إنكار بعض الصحابة أعمالاً مشمولة بالعموم ما معناه؟

أما ما ذكره ابن دقيق العيد ـ رحمه الله ـ من إنكار بعض الصحابة أعمالً مشمولة بالعموم لعدم وجود الدليل الخاص بها، فهذا يجاب عنه بجوابين: أولهما: أنهم إنما أنكروا ذلك باجتهاد منهم، خالفهم فيه غيرهم، والمسائل الاجتهادية ليس فيها تبديع حقيقي، كما تقدم بيانه. والثاني: أنه قد ثبتت آثار عن بعض الصحابة تؤيد الاكتفاء بدليل العموم في كل فرد من أفراده ، التي لها هيئات خاصة، ليس لها دليل يخصها، وهي آثار مؤيدة بإقرار النبيصلى الله عليه وسلم، فتكون أقوى في إثبات المشروعية.
فأما ما أنكره بعض الصحابة باجتهاد فلا يكون اجتهادهم حجة على اجتهاد مخالفيهم من الصحابة، لاسيما أن بعضه فيه أدلة من السنة لم يعلموها، فإنكار ابن عمر صلاة الضحى معارض بما ثبت عن النبيصلى الله عليه وسلم من فعله، كما رواه البخاري برقم (1122) ومسلم برقم (336) عن أم هانئ، وبما رواه البخاري برقم (1124) ومسلم برقم (721) عن أبي هريرة^ قال : ”أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر“.
وكذلك القنوت معلوم اختلاف الصحابة والسلف فيه، وقلما كتب أحد من المحدثين أو الفقهاء في أحكام الصلاة إلا ذكر الخلاف فيه بين السلف، وقد أورد الخلاف في ذلك الإمام النووي في ”المجموع“ (3/483) فذكر أن مالكاً وداود الظاهري وافقا الشافعي على أنه سنة في صلاة الفجر، مع اختلافهم في موضعه قبل الركوع أو بعده. وذكر بعد ذلك الأحاديث الموافقة والمخالفة وناقشها، وما اختلف فيه السلف لا يجعل قول بعضهم حجة على بعض، ولا يكون إنكار بعضهم حجة على بعض في مسائل الاجتهاد؛ لأن كلا المجتهدين يرى أن الصواب معه دون صاحبه، ولا يحل له تقليده، ومثل هذا يقال في: ”الجهر بالتسمية في أول الصلاة“.
أما إنكار ابن مسعود إحصاء التسبيح فقد تقدم الكلام عليه تفصيلاً.
وإذا كان لا بد من الترجيح بين الاتجاهين في هذه المسألة: مسألة أفراد العموم التي لها هيئات خاصة، وليس لها دليل يخصها، هل يكفي فيها دليل العموم، أو لابد من دليل يخصها؟ فإن الاكتفاء بالعموم مؤيد بآثار مع إقرار النبيصلى الله عليه وسلم، أشهرها:
(1) حديث أنس عند البخاري برقم (741): ”كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء، وكان كلما افتتح... افتتح {قل هو الله أحد} حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة أخرى معها، وكان يصنع ذلك في كل ركعة... فلما أتاهم النبيصلى الله عليه وسلم أخبروه الخبر، فقال: (...وما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟) فقال: إني أحبها، فقال: (حبك إياها أدخلك الجنة)“.
فهذا التزام هيئة معينة في القراءة، ليس له دليل خاص إلا عموم الأمر بتلاوة القرآن في الصلاة، وقد أقره النبيصلى الله عليه وسلم عليه، ويتضمن إقراره عليه إقراره على الدليل الذي استند إليه، ولو كان إقراراً على العمل فقط لكان الصحابي ـ في مثل هذه الحالة ـ قد أقدم على عبادة بدون دليل، ويكون النبيصلى الله عليه وسلم قد أقرهم على ذلك، وهذا مخالف لقول الله تعالى: {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم} [الأعراف/3]، إنما يقال هنا: اجتهد الصحابة في مشروعية هذه العبادة فأقر اجتهادهم، أي أقر مشروعية العبادة، ودليلها الذي استندوا إليه.
(2) ويقال مثل ذلك في حديث أبي هريرة عند البخاري برقم (3858) في قصة مقتل خبيب بن عدي: ”فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين... فكان أول من سن الركعتين عند القتل هو“ وهذا صريح في أنه لم يسبق للركعتين دليل خاص إلا عموم الأمر بالصلاة، ويستبعد أن يبلغ هذا العمل أبا هريرة دون أن يبلغ النبيصلى الله عليه وسلم، ولولا أنه صلى الله عليه وسلم أقره ما كانت سنة متبعة، كما بين أبو هريرة^، لكن خبيباً فعله استناداً إلى الدليل العام، ولم يبلغه إقرار النبيصلى الله عليه وسلم.
(3) وكذلك حديث بلال عند البخاري برقم (1098): ”(يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دفَّ نعليك بين يدي في الجنة؟) قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهوراً في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي“. وهذا واضح الدلالة على معنى الالتزام، وهو كالحديثين السابقين إقرار على حكم الركعتين، وعلى منهج الاستدلال.
(4) وأصرح الأدلة حديث أبي سعيد الخدري^ عند البخاري برقم (2156) حين نزل هو وصحبه على حي من العرب فأبوا أن يضيفوهم، فلدغ سيد الحي، فطلبوا من الصحابة دواء أو رقية ”فقال بعضهم: نعم والله إني لأرقي... فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً... فانطلق يتفل عليه ويقرأ {الحمد لله رب العالمين}... فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا، فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي النبيصلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا به، فقدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكروا له فقال: (وما يدريك أنها رقية؟ ثم قال: قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهماً) فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم“.
وفي الحديث دلالة واضحة على أن الصحابي فعل ذلك اجتهاداً، وما كان عنده في المسألة نص؛ لأنه قال: ”حتى نأتي النبيصلى الله عليه وسلم فنذكر له الذي كان فننظر ما يأمرنا به“، ولأن النبيصلى الله عليه وسلم قال لهم: (قد أصبتم) وهذا إنما يقال لمن اجتهد، لا لمن هجم على الأحكام بدون دليل شرعي، فيكون قوله صلى الله عليه وسلم (قد أصبتم) إقراراً على الحكم، وهو مشروعية الرقية بالفاتحة، وعلى الدليل الذي استند إليه الحكم، والمنهج الاستدلالي، الذي تمكن الصحابي به من معرفة الحكم، وأحكام الله لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة، وحيث لا يوجد هنا دليل خاص ـ للرقية بالفاتحة مع التفل على موضع العلة ، ولأخذ الأجر ـ كان هذا إقراراً من النبيصلى الله عليه وسلم على الاستدلال بالعموم، دون أن يوجد دليل خاص لهذه الهيئة المعنية؛ لأن العمل الذي دل على العموم على مشروعيته يكون مشروعاً من جهة اندراجه في العموم، وقد ألغى النبيصلى الله عليه وسلم جانب الهيئة الخاصة من الاعتبار عند المشرع، وإلا لم يربط الحكم بالعام الشامل لكل الأفراد، فلا يستثنى فرد من الأفراد بسبب هيئة فيه خاصة إلا لدليل يدل على أن هذه الهيئة مانعة من اندراج صاحبها في العموم، أو يدل على أنها بخصوصها غير مشروعة.
الخاتمة وخلاصة الموضوع :

وخلاصة ما يقال في الذكر الجماعي بناءً على المذهبين هي ما يلي:

(1) أن قوله تعالى {اذكروا الله ذكراً كثيراً} [الأحزاب/41] دال على مشروعية الذكر مطلقاً، بلا تحديد هيئة خاصة، بمعنى أن أي هيئة خاصة في حال ذكر الله تعالى يكون هذا الإطلاق منطبقاً عليها لا بخصوصها، بل من حيث إنها ذكر، ولا بد للذاكر من واحدة منها؛ لأن التجرد عن الأحوال المتناقضة محال، فلا بد من الذكر إما جماعة أو فرادى، ولا يمكن التجرد عنهما جميعاً، إما جهراً وإما سراً، إما بصوت واحد وإما بأصوات متفرقة، ومن منع أي حالة خالف دليل الإطلاق، وكذا يقال في تخصيص العموم المذكور في قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيراً والذاكرات} [الأحزاب/35]، وهذا باتفاق الفريقين.
قال الشاطبي في الاعتصام (279): ”ومن البدع الإضافية التي تقرب من الحقيقية أن يكون أصل العبادة مشروعاً، إلا أنها تخرج من أصل شرعيتها بغير دليل... وذلك بأن يقيد إطلاقها، أو يطلق تقييدها... ومن ذلك تخصيص الأيام الفاضلة بأنواع من العبادات التي لم تشرع لها تخصيصاً، فإن ذلك التخصيص والعمل به ـ إذا لم يكن بحكم الوفاق، أو بقصد يقصد مثله أهل العقل والفراغ والنشاط ـ كان تشريعاً زائداً“.
ومعنى هذا أنه إذا خصص وقتاً بعبادة لها دليل عام، وهو قاصد هذا التخصيص، وليس له دليل يخصه كان ذلك تشريعاً زائداً في نظر الشاطبي ومن يوافقه، وأما إذا خصصه بها لأنه لا فراغ عنده إلا حينئذٍ، أو لا يكون لديه نشاط إلا حينئذٍ، فهذا لم يخرج العبادة عن دليلها العام أو المطلق في نظر الشاطبي ومن يوافقه.
أما الشافعي وموافقوه: فيرون الدليل العام أو المطلق كافياً للمشروعية؛ لأن العام عندهم في الأفراد يستلزم عموم الأحوال والأزمنة والأماكن، كما تقدم بيانه.
(2) وما يقال في الهيئات يقال في الأعداد، فمهما كثر العدد فهو داخل في قوله تعالى: {كثيراً} والتزام بعض الأعداد إن كان لدليل جاز اتفاقاً، وإن كان لغير دليل جرى فيه الخلاف السابق.
(3) الذكر الجماعي مشروع بالنص عليه في حديث الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، وحديث الصحابة الذين كانوا مع النبيصلى الله عليه وسلم فرفعوا أصواتهم بالذكر وهم جماعة، كما هو مصرح به في الرواية، فمن منع الذكر الجماعي خالف النص الصريح المؤكد للعموم والإطلاق في الآيتين، والحديثان أحدهما قول، والآخر عمل، وهذا باتفاق المنهجين؛ لأن من جعل الذكر مشروعاً في جماعة بناه على دليل خاص بمشروعية الجماعة، فلا يضره الالتزام بها.
(4) الجهر بالذكر ـ مع الجماعة ـ دون مبالغة مشروع أيضاً؛ لأن النبيصلى الله عليه وسلم أنكر على رافعي أصواتهم، وسمع صوت أبي موسى من خلفه مع وجود أولئك الجاهرين، فلا يمكن أن يكون أبو موسى ذاكراً في سره، ولا بصوت خفيف، بل هو يجهر جهراً غير شديد، ولم ينهه النبيصلى الله عليه وسلم كما نهاهم، وذلك إقرار منه، ومن منع هذا المقدار من الجهر خالف النص الخاص بهذه الهيئة، وذلك على منهج الفريقين؛ لأنه ليس مستنداً إلى مجرد العموم أو الإطلاق. ومن صرح بخلافه من المانعين فقد خالف منهجه، ومن التزم الجهر فالحديث دليله الخاص على هذه الهيئة زائد على العموم والإطلاق في الآيتين مؤكد لاندراجه فيهما، ولم يحدث من عنده هذه الهيئة.
(5) اشتراك الجميع في كل كلمة من كلمات الذكر بصوت واحد مع التزام ذلك دائماً هذا مشروع على منهج الشافعي وموافقيه؛ لأن الدليل العام عندهم شامل لجميع الأفراد، مستلزم لجميع الأحوال، كأنه قيل في الآية: والذاكرين الله كثيراً والذاكرات في جميع الأحوال والأزمنة والأمكنة، كما تقدم بيانه0
أما على منهج الشاطبي ومن وافقه فحديث أبي موسى في الجهر غير صريح الدلالة على أنهم رفعوا أصواتهم بكل كلمة مع بعضهم، واللفظ محتمل له وللاختلاف، فإذا عمل به دون التزام دائم جاز؛ لأن ذلك لا يخرج به عن العمل بدليل العموم أو الإطلاق، لكن إذا التزمه الذاكرون احتاج إلى دليل يقويه على منهجهم، والذي يقويه أمران:
أحدهما: أن أبا موسى قال: ”فرفعوا أصواتهم بالتكبير الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله“ وظاهره أن الجماعة كلها تقول ذلك معاً؛ لأنه نسب الفعل إليهم جميعاً وهم في مكان واحد.
ثانيهما: أنه وإن كان الجهر مشروعاً بصوت واحد وباختلاف فالأول أولى؛ لأنه أبعد عن التشويش، وعدم التشويش أكثر إعانة على الخشوع، وهو المقصود الأهم في الذكر، كما أن قوله: {فتحرير رقبة} في المواضع التي لم توصف بالإيمان، يجوز فيها تحرير الكافرة عملاً بظاهر الآية عند الذين لا يحملون المطلق على المقيد، والمؤمنة عندهم أفضل؛ لأن الإحسان إلى المؤمن أفضل إذا لم يكن واجباً، والتزام الأولى دائماً مشروع، وإن جاز الآخر، وبناءً على مشروعية الذكر بصوت واحد يكون وجود الملقن ـ الذي ينبه عند بداية كل نوع من الذكر إلى كلمات منه معينة ـ مشروعاًُ، وهو نوع من التذكير يراد به دفع التشويش، فله دليلان: أحدهما: عموم التذكير، والآخر: دفع التشويش للإعانة على الخشوع المأمور به في قوله تعالى: {ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق} [الحديد/16]، ولا يقال لنا هنا: كيف ترجحون الذكر بصوت واحد على منهج الشاطبي ومن وافقه؟ مع أن الشاطبي صرح بإنكاره فيما رد به على المنكرين. فالجواب: أننا لم ننسب القول بالأولوية إليهم، وإنما قلنا: إن منهجهم يقتضي ذلك، ونراهم في هذه المسألة مخالفين لمنهجهم، وهذا يذكر كثيراً في مسائل الخلاف، فيقال: إن فلاناً في هذا القول خالف قاعدته.
(6) جَعْلُ مجالس الذكر على هيئة الحلقة، والتزام ذلك دائماً مشروع على منهج الشافعي وموافقيه اكتفاءً بأدلة العموم والإطلاق، إلا في موضع ثبت النهي عن التحلق فيه.
وعلى منهج الشاطبي ومن وافقه يستدل به لدليل خاص هو حديث معاوية^ أن النبيصلى الله عليه وسلم ”خرج على حلقة من أصحابه، فقال: (ما أجلسكم؟) قالوا: جلسنا نذكر الله، ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومنَّ به علينا“ ووجه الاستدلال بالحديث أن ذكر الله يكون بتلاوة القرآن ودراسة العلم، ويكون أيضاً بالتسبيح والتهليل، كما جاء مصرحاً به سابقاً في حديث الملائكة الذين يلتمسون مجالس الذكر، فيبقى قولهم هنا ”جلسنا نذكر الله“ على إطلاقه، وحمله على مجالس العلم والقرآن خاصة هو تخصيص بلا دليل شرعي، إنما هو رأي مجرد، فجميع مجالس الذكر يشرع جعلها حلقات، وقد غلب استعمال لفظ الذكر على غير القرآن عند الناس، حتى احتاج الإمام النووي في أوائل كتابه ”الأذكار“ إلى أن ينبه إلى عدم التخصيص به، فقال ـ رحمه الله ـ: ”إن فضيلة الذكر غير منحصرة في التسبيح والتهليل والتحميد والتكبير ونحوهما، بل كل عامل لله بطاعة فهو ذاكر الله تعالى“(23 ) .
(7) وجود المذكر الحادي في مجلس الذكر مشروع؛ لأن ثبوت الحداء للتذكير ـ كما سبق في رواية البخاري ـ يقتضي من سامعيه أن يستجيبوا له فيذكروا الله تعالى، والذكر مطلق يقع بأي نوع من أنواعه، ومنه التسبيح والتهليل وكل ذكر لله باللفظ، وإذا لم نقل بأن الحديث يدل على مشروعية الذكر مع التذكير كان ذلك اتهاماً للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة أنهم ”إذا ذكروا لا يذكرون}. فمتى كان التذكير مشروعاً كان الذكر معه أمراً طبيعياً واستجابة للتذكير، سواء سمينا هذا التذكير تلقيناً، أم لم نسمه؛ إذ العبرة بالمضمون لا بالأسماء.
هذا إذا قلنا بالحاجة إلى الدليل الخاص لهذه الهيئة الخاصة ـ كما هو مذهب الشاطبي ومن يوافقهم ـ أما إذا جرينا على مذهب الشافعي^ وعز الدين بن عبد السلام، وهو الاكتفاء بدلالة العموم فإن في قوله تعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين} [الذاريات/55] وأمثاله كفاية لهذه الحالة الخاصة في إثبات أنها مشروعة في مجالس ذكر الله تعالى، بل إن عموم الأدلة يعني أن الذكر مشروع في كل حالة وكل زمان ومكان، إلا ما استثني بدليل أخص من ذلك العموم، ومن استثنى بغير دليل فقد رد على آيات الذكر الصريحة.
ومن لم يقتنع بمنهج الذين يكتفون بعموم الأدلة في هذا الأمر، ولم ير الأدلة كافية فليختر لنفسه ما يشاء، وليس من حقه أن يلزم الناس بقناعته وفهمه للأمور، وما يراه هو بدعة وغير مشروع فهو فهمه للدليل، وليس هو الدليل، والله سبحانه يحاسب كلاً من أهل العلم حسب علمه بالدليل، لا حسب علم مخالفيه، وكل مسألة اختلف فيها أهل العلم ـ لاسيما الأئمة ـ فالمصيب له أجران، والمخطئ له أجر، بنص حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لا يأجر على البدعة والضلالة ومخالفة سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن قال عن المخطئ في اجتهاده: إنه مبتدع، فنتيجة ذلك أن يتهم كثيراً من الصحابة والسلف بالبدعة؛ لأنهم اختلفوا في المسائل اختلاف منافاة، كما ذهب سيدنا علي^ إلى أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، وذهب ابن مسعود إلى أنه ينقض الوضوء، وأحدهما بلا ريب، وهو يرى مخالفه مخطئاً في الاستدلال، فمن زعم أن المخطئ في اجتهاده مبتدع، فالصحابة عنده قسمان: المخطئ منهما مبتدع، وما دام هذا الزاعم يرى نفسه مصيباً في مسائل الاجتهاد، فالمخطئون من الصحابة والسلف هم مخالفوه، وهم مبتدعون؛ لأنهم بزعمه مخالفون دليل السنة الذي اعتمد هو عليه، فهو إذن ميزان الله في الدنيا والآخرة، به يحاسب الله خلقه، فمن خالفه فهو صاحب بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وهذه المزاعم مخالفة صريحة للآيات التي تجعل جميع المؤمنين من الصحابة في الجنة، كقول الله عز وجل: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى} [الحديد/10].    
فإن قال صاحب هذا الزعم: إني لا أقول إن المخطئ في الاجتهاد من الصحابة مبتدع؛ لأنه اجتهد في فهم الدليل فأخطأ، فهو معذور مأجور، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكني أقول: عن المعاصرين إنهم مبتدعون؛ لأنهم قالوا ذلك عن عصبية لا عن اجتهاد. فجوابه أن العصبية أمر قلبي يدفع صاحبه إلى التمسك بغير الحق، وهو يعلم ذلك، فهل شققت عن قلوبهم؟! ثم ألا تدري أنهم يتهمونك بالتهمة نفسها؛ لأنك لا ترضى أن يتبعوا ما فهموه من الأدلة، أو اتبعوا فيه فهم الأئمة، ومنهجك هذا خلاف مذهب السلف، الذين كانوا يختلفون دون أن يلزم أحد منهم غيره بفهمه، ودون أن يتهم أحد منهم غيره بالبدعة الضلالة، ثم يكلون أمر النيات والمقاصد والدوافع إلى الله عز وجل، وإذا كنت تزعم أنك تقول ما تقوله عن اجتهاد واتباع للدليل فإن هذه الدعوى مشكوك فيها عند مخالفيك، والحَكَم بينك وبينهم في دعوى الاجتهاد، وفي اتباع العصبية هو الله عز وجل، وهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
وعلى كل حال فإن أهلية الاجتهاد، وموازين البدعة والسنة لها مواضعها الخاصة من علوم شرع الله، وإنما ذكرت ههنا للمتابعة، ومن درسها بإنصاف وفهم عرف موقعه من الاجتهاد والتقليد، ومن السنة والبدعة، وعرف أن الله مطلع على نيته في كل ما يقول ويفعل هل هو على الحق أو العصبية؟.
نسأل الله تعالى أن يهدينا وجميع المسلمين إلى الصراط المستقيم، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.      
 
فهرس  المراجع

ـ إحكام الأحكام، لابن دقيق العيد، ط: دار الكتاب العربي، بيروت.
ـ الأذكار، للنووي، تحقيق: الشامي، ط: مؤسسة الريان.
ـ إرشاد الفحول، للشوكاني، تحقيق: أحمد عبد السلام، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى،1414هـ ـ 1994م.
ـ الاعتصام، للشاطبي، تحقيق: أحمد عبد الشافي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، الثانية، 1995م.
ـ إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، تحقيق: محمد عبد السلام، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، الثانية، 1414هـ ـ 1993م.
ـ الأم، للإمام الشافعي، تحقيق: محمد زهري النجار، ط: دار المعرفة، بيروت.
ـ البيان والتحصيل، لابن رشد القرطبي، تحقيق: محمد حجي، ط: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الثانية، 1408هـ.
ـ الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، ط: دائرة المعارف، بحيدر آباد، الهند، 1371هـ ـ 1952م.
ـ سنن الترمذي، ط: دار الدعوة وسحنون.
ـ سنن الدارمي، تحقيق: فواز زمزلي وخالد العلمي، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، الأولى، 1407هـ ـ1987م.
ـ شرح الأبي على صحيح مسلم (إكمال المعلم)، تحقيق: محمد سالم، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، الأولى،1415هـ
ـ شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهب، للإمام المنجور، تحقيق: محمد الشيخ محمد الأمين، ط: دار عبد الله الشنقيطي.
ـ صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، ط: الرسالة، بيروت،1414هـ ـ 1994م.
ـ صحيح البخاري، تحقيق: مصطفى البغا، ط: دار ابن كثير واليمامة، بيروت ودمشق، 1414هـ ـ 1993م.
ـ صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، ط: دار الكتب العلمية، بيروت، 1413هـ ـ 1992م.
ـ غاية الوصول شرح لب الأصول، لمحمد بن زكريا الأنصاري، ط: البابي الحلبي، القاهرة، الأخيرة،1941م.
ـ لسان الميزان، لابن حجر، تحقيق: محمد المرعشلي، ط: دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1416هـ ـ 1996م.
ـ مجمع الزوائد، للهيثمي، ط: دار الكتاب العربي، بيروت، الثالثة،1402هـ ، 1982م.
ـ مجموع الفتاوى، لابن تيمية، تحقيق: عبد الرحمن النجدي الحنبلي.
ـ المجموع، للنووي، تحقيق: محمد نجيب المطيعي، ط: مكتبة الإرشاد، جدة، الطبعة الكاملة.
ـ المدونة، للإمام مالك، ط: دار صادر، وطبعت بمطبعة السعادة، القاهرة.
ـ مساجلة بين الإمامين الجليلين العز بن عبد السلام وابن الصلاح، تحقيق: الألباني ومحمد زهير، المكتب الإسلامي، بيروت، الثانية،1405هـ
ـ المستدرك، للحاكم ـ دار الفكر ـ صورة عن الطبعة الهندية.
ـ مسند أحمد، ط: دار الدعوة وسحنون.
ـ المصنف، لابن أبي شيبة، تحقيق: سعيد اللحام، ط: دار الفكر، بيروت، 1414هـ ـ1994م.
ـ النوادر والزيادات، لابن أبي زيد، تحقيق: عبد الفتاح الحلو، ط: دار الغرب الإسلامي، بيروت، الأولى،1999م.

 
فهرس الموضوعات


ـ المقدمة       3
ـ حث النبيصلى الله عليه وسلم على الذكر الجماعي  3
ـ عمل الصحابة بذلك، وثناء الله ورسوله عليهم 6
ـ سنة الجهر بالذكر دون مبالغة   8
ـ توضيح قول ابن مسعود في الذين أنكر عليهم
 في مجلس الذكر      12
ـ الاكتفاء بالأدلة العامة في الذكر   25
ـ بعض العلماء يشرط دليلاً خاصاً للهيئة  36
ـ مناقشة قول ابن دقيق العيد   40
ـ تفصيل قول المالكية    41
ـ قول الإمام مالك في الهيئات الخاصة  49
ـ إنكار بعض الصحابة أعمالاً مشمولة
بالعموم ما معناه؟     51
ـ الخاتمة وخلاصة الموضوع   58
ـ فهرس المراجع71

--------------------------------------------------
الهوامش :

( 1) صحيح البخاري في الدعوات، فضل ذكر الله تعالى برقم (6045)، وصحيح مسلم في الذكر، فضل مجالس الذكر برقم (2689).
( 2) رواه أحمد في المسند (4/65)، والترمذي برقم (1682)، والحاكم في المستدرك (2/607) وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
(3 ) صحيح مسلم، فضل الاجتماع على تلاوة القرآن والذكر، برقم (2701).
( 4) صحيح البخاري، في المغازي، غزوة خيبر، برقم (3968)، وصحيح مسلم، في استحباب خفض الصوت بالذكر، برقم (2704).
( 5) صحيح مسلم برقم (2675).
( 6) صحيح البخاري، في صفة الصلاة، باب الذكر بعد الصلاة، برقم (805).
( 7) مجموع الفتاوى (21/314).
(8) صحيح البخاري، في التطوع، الصلاة قبل المغرب، برقم (1128).
( 9) سنن الدارمي (1/79)، برقم (204).
( 10) مصنف ابن أبي شيبة (2/283).
( 11) سنن الترمذي، في أبواب الدعوات، ورقمه (3568).
( 12) المستدرك (1/547).
( 13) صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (3/118) برقم (837).
( 14) إعلام الموقعين (1/24).
(15 ) مسند الإمام أحمد (4/341) رقم (16023) وسنده صحيح لغيره، أي هو في نفسه حسن.
( 16) المستدرك (1/15)، وقال في مجمع الزوائد: رجاله رجال الصحيح.
( 17) صحيح مسلم برقم (916).
(18 ) الاعتصام للشاطبي ص (279).
( 19) لب الأصول مع شرحه غاية الوصول ص (70).
( 20) إرشاد الفحول للشوكاني ص (353).
( 21) الفتاوى لابن تيمية (20/292).
( 22) هو في البيان والتحصيل شرح العتبية (1/362).
( 23) الأذكار، للإمام النووي، ص (17).