14 فبراير 2012

البيان النبوي عن فضل الاحتفال بمولد النبي

 لتحميل الكتاب نسخة pdf | لقراءة الكتاب كاملا

المقدمة:

غلاف الكتابهل يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد بين حكم الاحتفال بمولده، ثم يقع حوله هذا الخلاف الكبير بين أن يكون سنة مستحبة وأن يكون بدعة ضلالة، مع أن كل ضلالة في النار؟!

لا، هـــذا غير ممــكن إلا إذا تركنا أساس النـظـر إلى المسائل الاجتهادية وإلى حكم الاختلاف فيها، كما بينه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: « إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران ، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر ».

وهذا صريح في أن المخطئ غير مبتدع، ولا ضال ؛ لأن الله لا يأجر على البدعة، بل « كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النَّار ».

فالذي يضلل مخالفه إمَّا أنه يغفل عن هذا الميزان، وإمَّا أنَّه يتجاهله لغاية في نفسه ضد مخالفه، وإما أنه يزعم أن هذه المسألة وأمثالها ليست مسائل اجتهادية، بل هي من البينات التي يضل الناس بالإعراض عنها أو يعاندونها.

وأيًّا ما كان الأمر فالمولد لا يمكن أن يدعي أحد على مستحبيه أنهم عاندوا البينات؛ لأنهم أئمة ثقات، كالحافظ ابن حجر والسيوطي رحمهما الله، ولكن يزعم منكر الاستحباب أنهم أخطؤوا، فلا يجوز اتباعهم، فيقال له حينئذٍ: أأخطؤوا في البينات التي لا تحتمل الخطأ أم في الاجتهاديات؟ إن كانت الأولى فهو عناد ، وقد قال الله تعالى عمن يفعل ذلك: ? وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (105) ? [آل عمران]، فهل يليق بهم هذا ؟ وإن كانت الثانية فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « فله أجر »، والله لا يأجر على البدعـة ، ولا يحل لك أن تبدعه وتضلله، وإن كنت تراه مخطئاً، بل يمكن أن تكون أنت المخطئ، وقولك إن المولد بدعة لا يصح ، إلا إذا عنيت أنه كذلك من حيث وجهة نظرك، أو وجهة نظر العلماء الذين تتبعهم، فأنت لو عملت مولداً تكون مبتدعاً ضالاً؛ لأنك عملت أمراً تراه - حسب فهمك للأدلة - بدعة ضلالة، أما مخالفك فلا، كما لو أن الإمام أحمد بن حنبل أو من يتبعه قال: « اللهم إنِّي أسألك بنبيك أن تغفر لي » فإنه يكون عاملاً بأمر يراه مستحباً، فهو مأجور أجرين إن أصاب، مأجور أجــراً واحــداً - لو افترضناه مخطئاً - بخلاف ما لو قال ذلك ابن تيمية أو من يتبعه ، فإنَّه يكون عاملاً بأمـر يراه هو بدعة ضلالة، فيكون عليه إثم ذلك وعقابه ، ومثل هـذا يقال في كل المسائل الاجـتهاديــة ، التي يدور الخلاف فيها بين الاستحباب والتحريم .

وليس ضرورياً في مسائل الاجتهاد أن يقتنع المجتهد بأدلة مخالفيه، ولكن من الضروري أن يقتنع الفريقان بأنَّ كلاًّ منهما يمكن أن يخطئ ، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصيته لبعض قادة جيوشه: « فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا »، وهذا تصريح بأنَّ المجتهد لا يمكن أن يقطع بأنه على صواب وأن مخالفيه على خطأ .

والاحتفال بالمولد يرى الحافظ ابن حجر وموافقوه: أن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على فضيلته بطريق الاستدلال الأولوي في حديث صوم عاشوراء، حيث ثبتت به مشروعية صوم الذكرى السنوية شكراً لله على نعمة نجاة موسى عليه الصلاة والسلام، قال ابن حجر: فالأولى من ذلك بالمشروعية صيام يوم المولد شكراً لله على إنعامه بإيجاد نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم ، ثم يقول: إن الحديث فيه بيان أن المقصود من الصوم الشكر، فكل عمل يحصل بـه الشكر فهو مشروع؛ لأن الشكر هو علة الحكم وسببه، فكل عبادة في ذلك مثل الصوم في الحكم باتفاق العلماء، كأنه منصوص عليها عند بعضهم، أو هي مقيسة عليه عند الآخرين، أمَّا غير العبادة من المباحات، التي تعبر عن الفرح فالأصل فيها الإباحة، ولا دليل على منعها .

ويرى ابن تيمية: أنَّ السلف لم يعملوا الاحتفال بالمولد، ولو كان خيراً لسبقونا إليه، فهو بدعة، ويجيب الإمام السيوطي: بأن السَّلف لم ينقل عنهم فيه قول بمنع ولا مشروعية، فهم ساكتون، والحديث دليل إثبات، وهو مُقَدَّم إجماعاً على السكوت وعدم النقل المسمَّى بالاستصحاب .

والكلام في المسألة ليس بهذا الإيجاز الشديد، إنَّما هذا إجمال يأتي تفصيله في هذه الرسالة - إن شاء الله تعالى - بنقل كلام الفريقين وحججهما، ومناقشتها دون تطويل، وقد جعلت المسألة في فصلين:

أحدهما: في بيان معنى البدعة، وتعلقه بالمسألة.

وثانيهما: في بيان مسألة المولد، والحوار فيها .

وما توفيقي إلا بالله، ولكل امرئ ما نوى، ( فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِوَكِيلٍ (108) ) [يونس]، ( فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) ) [الزلزلة].

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين.