موقع الشيخ الدكتور محمود أحمد الزين



بين يدي رسالة اللامذهبية قنطرة اللادينية
           بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدى هذه الأمة بالقرآن، وجعله للتمييز بين الحق والباطل أفضل ميزان، والصلاة والسلام على من اصطفاه الله تعالى لوحيه، ووكل إليه التفسير والبيان، وعلى آله وصحبه الذين بلغوه إلى العالمين، وشادوا للدين أعظم البنيان، ومن تبعهم إلى يوم القيامة بإحسان.
السلف الصالح وخصوصيتهم:
وقد خص الله تعالى هؤلاء الأصحاب وتابعيهم وتابعي تابعيهم بالشهادة على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم أنهم خير القرون من خير أمة أخرجت للناس ـ لذلك اصطلح المسلمون على أن يسموهم السلف الصالح(1 ) ، فما جاء عنهم من علم وعمل فهو خير أساس، وما خالف نهجهم فهو أوهام، وثمرات وسواس، وقد كان أئمة الفقه الأربعة: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد ـ رضي الله عنهم ـ من خيرة العلماء في آخر تلك القرون، بل كانوا في ذلك القرن المبارك أئمة للعلماء العاملين، وقدوة للصالحين، ورثوا علم التابعين، وورث التابعون علم الصحابة، وورث الصحابة علم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنعم المورث، ونعم الوارث، يكفيهم شهادة حقٍ قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ”خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم“؛ ولأجل هذه الخصوصية اتخذهم الناس في سائر القرون أئمة في دينهم، وتدارسوا ما جاء عنهم من علوم الدين، فنظموه ورتبوه ، وفصلوا قواعده وفروعه، وأقاموا أساسه وأصوله، وبينوا ما اجتمعوا عليه، وما اختلفوا فيه تبعاً لاختيارهم مما اختلف فيه الصحابة والتابعون، أو وُجِدَ من المسائل في عصرهم، وبينوا نهج كل إمام فيما اختار من الأحكام والأدلة، وما يتميز به عن إخوانه من أولئك الأئمة، وسموا نهج كل منهم مذهباً، وتبعتهم الأمة، واختار كل واحد منها، أو كل جماعة اتباع من رأوه ـ بحسب اختلاف التقدير والاختيار ـ أولى وأفضل، أو بحسب ما تيسر لهم تعلمه من هذه المذاهب، مع حسن الظن بالأئمة الآخرين، قال ابن تيمية: ”فهذه المسائل التي تنازع فيها السلف والأئمة، فكل منهم أقر الآخر على اجتهاده... فمن ترجح عنده تقليد الشافعي لم ينكر على من ترجح عنده تقليد مالك، ومن ترجح عنده تقليد أحمد لم ينكر على من ترجح عنده تقليد الشافعي، ونحو ذلك(2 ) .
وقد كان هذا حالهم مع وجود نزر يسير من الجهال، أو العلماء ـ الذين لم يزكوا نفوسهم من العصبية ـ ينظرون إلى غير مذهبهم نظرة استصغار، ويجادلونهم جدال من لا يهمه الحق، ولكن يهمه الظهور والانتصار، وكان العلماء الأتقياء والمخلصون الصلحاء ـ من كل مذهب ـ يجتهدون في ردع المتعصبين، ويكفونهم عن التفرقة بين المسلمين.
ظهور اللامذهبية:
وظل الأمر على ذلك طول تاريخ الأمة الإسلامية إلى أن صرنا في آخر الزمن، فإذا فئة من المسلمين تتهم أكثرية الأمة الإسلامية بأنها خرجت ـ باتباعها هذه المذاهب الأربعة ـ عن طريق السلف الصالح أهل القرون الثلاثة، كأن أحكام الشريعة التي ورثها الأئمة الأربعة عن الصحابة والتابعين ـ ونظمها تلاميذ الأئمة الأربعة حسب منهاج كل منهم في الترجيح ـ شيء آخر غير ما ذهب إليه أولئك السلف الصالحون، وإذا هتاف شديد يرفعه اللامذهبيون: اتركوا المذاهب الأربعة واتبعوا مذهب السلف، فإن ترك مذهب السلف بدعة ضلالة.
هل يأذن اللامذهبيون أن نقول لهم: على رسلكم: إن أصحاب المذاهب الأربعة: مالكاً وأبا حنيفة والشافعي وأحمد( 3) هم من السلف الصالح، أهل القرون الثلاثة، التي أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين سئل أي الناس خير؟ فقال: (قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ( 4).
ولكن اللامذهبيين لا يرضون هذا الجواب، فيقولون: ليس اتباع السلف هو اتباع واحد منهم، بل هو اتباع جميع السلف.
ما أجمع عليه السلف:
فليأذن لنا اللامذهبيون أن نقول لهم: إن كنتم تدعوننا إلى اتباع ما اتفق عليه السلف فهذا قد اتفق عليه جميع أهل السنة، وهو موجود في كل واحد من المذاهب الأربعة لا يتركونه، واتباع مذهب منها يكون في ضمنه اتباع ما اتفق عليه السلف.
لكن بعض اللامذهبين ينكرون علينا هذا القول، ويقولون: قد خالفتم السلف فيما أجمعوا عليه، فأنتم تصلّون عند القبور خلافاً لهم، وتدعون عندها، وتتوسلون بأصحابها، وتقرؤون القرآن لأصحابها.
والجواب على ذلك: أن دعوى الإجماع هنا زعم لا مستند له، ويتضح ذلك من موقف بعض أئمة السلف في المسائل المذكورة:
1ـ الصلاة عند القبور: قال عنها الإمام مالك في مدونته (1/90): ”لا بأس بالصلاة في المقابر“ وهو من كبار أئمة السلف، وروى مسلم برقم (2493) عن عائشة&: ”أنها كانت تصلي في حجرتها“ وفيها ثلاثة قبور، وقال ابن تيمية في الفتاوى (21/304): ”المقبرة وأعطان الإبل تصح الصلاة فيهما على القول الصحيح“، فأين الإجماع؟!
2ـ الدعاء عند القبور سنة نبوية، كما روى مسلم عن بريدة برقم (975) وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم أن يقولوا إذا خرجوا إلى المقابر: (أسأل الله لنا ولكم العافية) وهو دعاء الزائر لنفسه ولغيره وللأموات، ونقل ابن تيمية في كتابه ”الرد على الإخنائي“ ص (405) دعاءً مطولاً في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، وفي جملة هذا الدعاء يقول ص(536) من الرد: ”وسل الله حاجتك متوسلاً إليه بنبيه تقض من الله عز وجل“ فأين الإجماع؟!
3 ـ وأما قراءة القرآن: فقال ابن تيمية في الفتاوى (24/315): ”وأما الصيام عنه، وصلاة التطوع عنه، وقراءة القرآن عنه، فهذا فيه قولان للعلماء: أحدهما: أنه ينتفع به، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة وغيرهما، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم“، وقال في (24/366): ”تنازعوا في وصول الأعمال البدنية كالصوم والصلاة والقراءة، والصواب أن الجميع يصل إليه“ فأين الإجماع؟!
ما اختلف فيه السلف:
فهذا الذي اختلف فيه السلف، أو لم يتكلم فيه بعض السلف كيف يمكن اتباع جميعهم فيه؟ فمن اتبع بعضهم ترك بعضهم الآخر؟ ولا يعقل أن يكون أحدهما مذهب السلف دون الآخر، ما دام القولان مما قاله علماء من السلف!! بل الجميع من مذهب السلف.
هل القول الراجح هو مذهب السلف:
يقول اللامذهبيون: انظروا في أدلة المختلفين، واتبعوا الدليل الأقوى. فنقول لهم: فلنفرض أنكم وازنتم بين الأدلة، واستطعتم أن ترجحوا الأقوى، هل الترجيح يعطي صاحبه الحق في تضليل مخالفيه وتبديعهم كما تفعلون؟! وهل يعطيه الحق في أن يحكم على كل الأئمة الذين خالفوه بأنهم فاتهم أن يطلعوا على الدليل، أو فاتهم أن يفقهوه، مع ما عرف عنهم من التبحر في العلم والتقوى، ومع ما نحن عليه من قلة الحظ منهما؟!
ثم لا بد لنا أن نسألهم: هل القول الأقوى دليلاً عند قائله هو مذهب السلف؟ إذا صح هذا فكل صاحب قول يقتنع بدليله أنه الأقوى يستطيع أن يقول: أنا على مذهب السلف، وإذا تعلم أدلة جديدة دفعته إلى الرجوع عن قوله، وترجح ما كان عنده مرجوحاً صار هذا الجديد هو مذهب السلف، والآخر بدعة ضلالة مخالفاً لمذهب السلف!! ويتعدد مذهب السلف حينئذٍ، وكل يدعيه لنفسه، ثم إن ما يقوله أي إنسان بعد السلف ـ مهما كان دليله قوياً ـ في نظره ونظر موافقيه فذلك قوله هو لاقول السلف، ونسبته إليهم باطلة، وتزكية للنفس، والله تعالى يقول: {فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى}[النجم/32]، وانتقاصاً لمخالفيه، والله تعالى يقول: { ولا تلمزوا أنفسكم }[الحجرات/11 .
وإذا كان مايراه أحدنا أقوى دليلاً هو مذهب السلف، فقد صرنا نحن ميزان علم السلف، وليس علمهم هو الميزان لنا، وهذا عكس المقصود من اتباع السلف.
من الذي يرجح بين الأدلة:
ثم إن الموازنة بين الأدلة واختيار الأقوى أمر يحتاج إلى أهلية خاصة، كما نقل في مسودة آل تيمية ص (515) عن الإمام أحمد في رواية يوسف بن موسى: ”لا يجوز الاختيار إلا لرجل عالم بالكتاب والسنة“ فهل هذا ممكن لكل من يدعيه، وهل العلم بالكتاب والسنة شيء قليل ليحصل بزمن يسير؟ فأقل ما يمكن هو أنه يحتاج إلى معرفة قواعد الحديث في الموازنة بين الرواية الضعيفة والصحيحة، وإلى الموازنة بين الأدلة المختلفة من جهة الإسناد ليقدم الأقوى على الأقل قوة، وإلى الموازنة بين عامها وخاصها، وناسخها ومنسوخها، وكيف يمكن الجمع بينها، أو ترجيح بعضها على بعض، وهذا يحتاج إلى خبرة واسعة في علم الحديث، وإلى علم الناسخ والمنسوخ، وعلم اللغة العربية، وعلم الأصول، وهذا لا يستطيعه أكثر الناس، ومن يستطيعه يحتاج إلى زمن ليتعلمه، والترجيح قبل التعلم أو بدونه إما عدوان على أدلة الشريعة، كما روى الترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار)، وإما تقليد لقول شيوخه، ولا يقدر على ترجيحه، فيزعم الترجيح بدون أهلية، وهي دعوى ينقضها الواقع.
واجب من لم يتأهل للترجيح:
وإذا كان الإنسان قبل الأهلية لا يمكنه أن يتبع الدليل الأقوى فماذا يفعل؟
قال ابن قيم الجوزية عن الأئمة المجتهدين(5 ) : ”في مسائل من العلم لم يظفروا فيها بنص عن الله ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلدوه، وهذا فعل أهل العلم، وهو الواجب، فإن التقليد إنما يباح للمضطر“، وقال قبل ذلك: ”وكل من اشتبه عليه شيء وجب أن يكله إلى من هو أعلم منه، فإن تبين له صار عالماً مثله، وإلا وكله إلى عالمه“(6 )، وإذا كان هذا واجب العلماء المجتهدين، فمن لم يحصل العلوم التي يمكنه بها الترجيح أولى بالتقليد؛ لأن مسائل الخلاف كلها تشتبه عليه قبل أن يحصل القدرة على الاختيار، وهي العلم بالكتاب والسنة ـ كما تقدم عن الإمام أحمد بن حنبل ـ وهذا النوع من الناس يعبر عنه العلماء باسم المستفتي، كما نقل في المسودة(7 ) : ”فأما صفة المستفتي فهو العامي الذي ليس معه ما ذكرنا من آلة الاجتهاد“. والعامي ليس هو الأمي، بل هو كما صرح به في المسودة ”من ليس معه آلة الاجتهاد“.
ومن لم يقدر على البحث والنظر في الأدلة والترجيح كيف يستطيع أن يناقش المفتي في الأدلة، ولذا صرح ابن تيمية بمنعه من ذلك فقال في المسودة( 8) : ”لا ينبغي للعامي أن يطالب المفتي بالحجة فيما أفتاه، ولا يقول له: لم، ولا كيف، فإن أحب أن تسكن نفسه بسماع الحجة سأل عنها في مجلس آخر، أو فيه بعد قبول الفتوى مجردة عن الحجة“؛ وذلك لأنه لا يعرف كيف يفقه الحجة، وإذا قال: أنا لا أتبع إلا الحجة من الكتاب والسنة كان متناقضاً، ومخالفاً لنفسه، بل هو تابع لجهله بالكتاب والسنة، مخالف لقوله تعالى: { ولا تقْفُ ما ليس لك به علم }[الإسراء/36.
وبهذا يظهر الفرق بين العالم الذي يجب عليه أن يتبع الدليل، ويختار الدليل الأقوى، وبين غيره ممن يجب عليه التقليد، وبه يعلم أيضاً أن الأئمة ـ الذين أمروا الناس باتباع الدليل، ونهوهم عن التقليد ـ كانوا يخاطبون بذلك العالم بالكتاب والسنة، كما نقل المزني في مقدمة مختصره: أن الشافعي ينهى عن تقليده وتقليد غيره.
وفي هذا التفصيل قال ابن قيم الجوزية(9 ) : ”أما من قلد فيما ينزل به عالماً يتفق له على علمه... فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه، وأدى ما لزمه فيما نزل به لجهله، ولا بد له من تقليد عالم فيما جهله“، وحينئذ يكون متبعاً للكتاب والسنة بواسطة من قلده، ولا يستطيع غيره، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
ثم يقول: ”ولكن من كانت هذه حاله هل يجوز له الفتيا في شرائع دين الله؟ فإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى لحفظه الفروع لزمه أن يجيزه للعامة، وكفى بهذا جهلاً ورداً للقرآن“، وبهذين الكلامين، والمقارنة بينهما يظهر أن الدعوة إلى اتباع الدليل موجهة إلى من عنده أهلية الفتوى، أما غيره فلا بد له من تقليد عالم فيما جهله، كما قال الله تعالى: { فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[النحل/43]، أي يسأل كلٌ عما يجهله، كحافظ السنة الذي لا يفقهها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (رب حامل فقه ليس بفقيه)، فهذا لا يسألهم عن السنة؛ لأنه يحملها، ولكن يسأل عن فقهها.
يقول اللامذهبيون: إن تقليد العالم واجب على من لم يعرف خطأ العالم، أما من عرفه، وعرف الدليل على خطئه، فكيف يجوز أن يترك الدليل ويقلد بعدما عرف أن العالم الذي كان يقلده مخطئ؟
وجواب هذه الشبهة: أن نسألهم من الذي يستطيع أن يكشف خطأ العالم، ويعرف أن قول غيره هو الصواب؟ أهذا ممكن لكل من قرأ الدليل أو حفظه، أم هو خاص بمن هو أهل لأن يفقهه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فإن قالوا: خاص بمن له أهلية لأن يفقهه، وهو الذي عنده أهلية الاختيار في مسائل الاختلاف، وليس لمن ليس له الأهلية إلا التقليد. قلنا: هذا حق، ولكن ما يراه الناس منكم: هو أن كلاً منكم حتى الأمي يقول: أنا لا أقلد أحداً، بل أتبع الكتاب والسنة، ولا يكتفي بذلك، بل يتهم كل من خالفه بالبدعة الضلالة، وبالإعراض عن الكتاب والسنة ومذهب السلف.
هل اتباع العلماء للمذاهب عصبية:
يقول اللامذهبيون: نحن لا ننكر هذه الأقوال التي قالها العلماء، ولكن ننكر تعصب العلماء الذين يستطيعون اتباع الدليل الأقوى، ثم يتركون ذلك ويتبعون المذهب الذي نشؤوا عليه، وننكر تعصب غير العالم حين يلتزم مذهب عالم واحد طول حياته، وكلاهما بدعة لم تكن على عهد السلف الصالح.
وجواب هذه الشبهة يسير: فالعالم الذي يستطيع الترجيح لا بد أن يكون عالماً بالكتاب والسنة، كما قال الإمام أحمد، وهذا أمر كبير ترونه أنتم هيناً يسيراً، ويرونه هم أمراً كبيراً، لا يطيقه إلا أولو العزم من العلماء، والتزامهم بمذهب أحد الأئمة ليس عصبية، ولكنه خشية من أن يقولوا في دين الله بلا تثبت، وذلك تقدير لمسؤولية العلم بالكتاب والسنة، وفقه الكتاب والسنة، وأنتم في الواقع حتى العلماء منكم ملتزمون بما يقوله جماعة من العلماء، هم أهل مذهبكم، لا تخرجون عن ذلك، فلم كان التزامكم حقاً، وكان التزامهم عصبية؟! فأنتم تزعمون أن فهم علمائكم للكتاب والسنة هو الكتاب والسنة نفسهما، وأن فهم العلماء الآخرين ـ وإن كانوا من الأئمة الأربعة ـ شيء آخر غير الكتاب والسنة، ومخالفكم يمكن أن يدعي ذلك، ولكن هذا تزوير في الموازنة يؤدي ـ إذا سمعه من لا يتفهم الأمور حقيقة الفهم ـ أن ينحاز إلى فهم علمائكم، ويتخذه مذهباً، فهذه دعاية كالدعايات السياسية والتجارية والعصبية، ثم تزعمون أن كل ما أنتم عليه هو الحق، وما سواه ضلال وبدعة وخروج عن مذهب السلف، وهو لا يخالف إلا فهمكم وفهم علمائكم، وتزعمون أنه لا يتخلص أحد من العصبية إلا أن يوافقكم على أقوال علمائكم وشيوخكم، فحينئذٍ فقط يكون متبعاً للكتاب والسنة ومذهب السلف!! فأنتم ميزان العلم والسلف، وأنتم الحكم في اختلافهم، ولكم وحدكم حق تضليل الآخرين، دون أن تسمحوا لأتباعكم بالاطلاع على أدلة أقوال الآخرين؛ لأنها عندكم بدعة، ولأن النظر في كتب البدع محرم، ويجب مقاطعتها ومقاطعة أهلها والبراءة منهم، أليست عصبيتكم أشد؛ لأن ما هم عليه لا تضليل فيه للآخرين، ولا تبديع لمخالفهم.
فلنفرض أنكم فيما قلدتم وافقتم الصواب، وإن كان هذا لا يعلمه إلا الله، ولا يعلمه الناس حتى المجتهد في اتباع الدليل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم(10 ) في وصيته لبعض قادة جيشه: (وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك على أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك، فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا)، فهل من حقكم أن تحتكروا الصواب لأنفسكم، وما الفرق بينكم وبين المقلدين الآخرين؟
فالفرق بينكم وبينهم أنهم يعترفون بالتقليد وأنكم تسمون تقليدكم اتباعاً للدليل؛ لأنكم تظنون أنه بمجرد أن تطلعوا على أدلة علمائكم وترجيحهم لها تكونون مرجحين متبعين للدليل، لا مقلدين لهم.
قراءة الأدلة دون أهلية:
و الأحاديث دلت على أن الاطلاع والقراءة ليسا هما فقه الكتاب والسنة، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عمن يحفظ الحديث وليس لديه أهلية فقه الحديث: (رب حامل فقه ليس بفقيه) فهو يصرح بأنه ليس كل من حمل الحديث يصير فقيهاً فيه، أي ليس كل محدث فقيهاً، وأولى من حامل الحديث بهذا من قرأه ولم يحفظه، وهذا واضح في كلام الإمام أحمد.
ففي المسودة(11 ) : نقل عن عبد الله بن الإمام أحمد عن أبيه، أنه قال: ”سألت أبي عن الرجل تكون عنده الكتب المصنفة فيها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم واختلاف الصحابة والتابعين، وليس للرجل بصر بالحديث الضعيف والمتروك، ولا الإسناد القوي من الضعيف، فيجوز أن يعمل بما يشاء، ويتخير ما أحب منها، فيفتي به ويعمل به؟ قال: لا يعمل به حتى يسأل ما يؤخذ به منها، فيكون يعمل على أمر صحيح، يسأل عن ذلك أهل العلم“، فهذا حكم من قرأ الكتب، لا يعمل حتى يسأل أهل العلم عن القوي والضعيف، ويظل يسأل حتى يكون عالماً بالكتاب والسنة، قادراً على فقههما بنفسه، فإن زعم قبل ذلك أنه يتبع الدليل فهو عامل بجهله في الكتاب والسنة، وقد سبق ذكر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل: (من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار.
هل يجب عدم الالتزام بمذهب:
أما القول فيمن يسألهم: فلم يأت في القرآن والسنة أن يسأل واحداً أو أكثر، أو أن يسأل في كل مرة عالماً، غير الذي سأله أول مرة؛ لأن الله تعالى قال: { فسْئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون }[النحل/43]، واللامذهبيون يزعمون أنه لا يجوز التزام قول عالم واحد؛ لأنه التزام بقول غير معصوم، فهل إذا سأل عالماً آخر في الخلافيات يكون عاملاً بقول معصوم، مهما كثر الذين يسألهم؟! وهم يزعمون هذا دون أن يقدموا دليلاً، أو نقلاً عن أحد من أئمة السلف: أن هذا لا يجوز، فكيف يكون هذا هو مذهب السلف وقد قال عن عبد الرحمن بن القاسم تلميذ مالك ـ وهما من السلف ـ إنه لم يكن يسأل غير مالك؟! إنما هو قولهم هم، أحدثوه في آخر الأزمان، وإذا سأل واحداً من علمائهم رضوا عنه، مهما لازمه من السنين، كما هم يفعلون، فهل هذا التزام بقول المعصوم؟! أم أن هذا خصوصية لهم؛ لأن ما يفهمونه من السنة هو السنة نفسها، وما يفهمه مخالفهم من الأئمة وأتباعهم شيء آخر غير الكتاب والسنة، بل مخالف لهما؟!
هل الخلاف المذهبي يفرق الأمة؟
هنا يقول لنا اللامذهبيون: إن الخلافات المذهبية جعلت هذه الأمة أحزاباً، والله تعالى يقول: {إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء}[الأنعام/159]، ويقول: { ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت وأولئك لهم عذاب عظيم }[آل عمران/105]، فترك المذاهب واجب حفاظاً على وحدة الأمة، وهذه المذاهب فرضتها السياسات الغاشمة، كل ملك يفرض على الناس مذهباً، حتى فرقوا الناس هذا التفرق الكبير.
ونقدم المعذرة إلى اللامذهبين عن قبول هذه المغالطة، فهاتان الآيتان وضعوهما في غير الموضع الذي أنزلتا فيه، فهاتان الآيتان في تفريق الدين، والاختلاف عليه بعد مجيء البينات، التي تقطع الخلاف، كما صرحت الآية الكريمة، وهذا شيء آخر غير الخلاف الاجتهادي، والدليل على ذلك أمران:
أولهما : أن الخلافات الاجتهادية كانت موجودة في القرون الثلاثة، التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم)، فمن دعا الأمة إلى أن تكون كلها على القول الذي ترجح عنده، وزعم أن ذلك مذهب السلف، فهو مناقض لما كانوا عليه.
فصاحب هذه الدعوة يريد أن يحقق للأمة الوحدة في الخلافات الفقهية، ويحقق لهم ما عجز عنه السلف، ولم يهتموا به، ولم يسعوا إليه، وإذا كان السلف مع تمام علمهم وتقواهم قد اختلفوا في هذه المسائل، فهل يمكننا أن نتفق مع نقص العلم والتقوى، أم أن اختلافنا سيكون أشد؟ ترى أهذه دعوة تؤدي إلى الوحدة، أم إلى تمزيق الأمة وصراعها، لدرجة إراقة الدماء، كما هو واقع ومشاهد من آثار هذه الدعوة؟!
ثانيهما : أن ابن تيمية سئل عن صلاة أهل المذاهب الأربعة خلف بعضهم؟ فقال في الفتاوى (23/374): ”نعم تجوز صلاة بعضهم خلف بعض، كما كان الصحابة، والتابعون لهم بإحسان، ومن بعدهم من الأئمة الأربعة يصلي بعضهم خلف بعض، مع تنازعهم في هذه المسائل المذكورة وغيرها، ولم يقل أحد من السلف إنه لا يصلي بعضهم خلف بعض، ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال، مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، وقد كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم منهم من يقرأ البسملة، ومنهم من لا يقرؤها... ومنهم من يقنت في الفجر، ومنهم من لا يقنت، ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء، ومنهم من لا يتوضأ، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة، ومنهم من لا يتوضأ... ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض“، ثم قال ص (377): ”وقول القائل: إن المأموم يعتقد بطلان صلاة الإمام خطأ منه، فإن المأموم يعتقد أن الإمام فعل ما وجب عليه، وأن الله قد غفر له ما أخطأ فيه، وأن لا تبطل صلاته لأجل ذلك“، فمن زعم أنها بدعة فقد رد على قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر)، والله لا يأجر على البدعة، بل هي في النار، وصاحبها له عذاب عظيم، كما قال الله تعالى في الآية السابقة: { لهم عذاب عظيم }، فالآيتان في الخلاف المعاند للبينات، لا في الخلاف الناشيء عما يشتبه من الأحاديث والآيات، وكيفية فقهه، والفرق بين الأمرين عظيم جداً لا تقارب فيه، وبهذا يظهر أن الصلاة خلف المتوسلين برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد موته صحيحة؛ لأنهم اتبعوا في هذه المسألة إمام هدى، هو أحمد بن حنبل رحمه الله، سواء أخطأ في اجتهاده أو أصاب، والقائل بأن الصلاة خلفهم لا تصح مخالف لأئمة الهدى.
أما مسألة أن هذه المذاهب فرضتها السياسات الغاشمة: فالمذاهب كلٌ منها انتشر حيث وجد العلماء الذين يعلمونه للناس، ولكن أخبرونا كيف نشرتم اللامذهبية؟ ألم تفرضوها في كل موضع لكم فيه سلطة، فتمنعون العلماء الآخرين أن يعلموا الناس ما عندهم، وتفرضون علماءكم على الناس، وتؤذون العلماء الذين ليسوا على منهجكم، وتبعدونهم عن كل بلد لكم فيه سلطة، فأنتم تتهمون الناس بما هم برآء منه وبما أنتم واقعون فيه.
ما هو مذهب أهل الحديث؟
وكثيراً ما يقول اللامذهبيون: لماذا تتركون مذهب أهل الحديث، وتتبعون مذاهب الفقهاء، فأهل الفقه كل واحد منهم يتعصب لمذهبه، وأهل الحديث لا يتعصبون إلا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم؟!
والجواب: أن هذه مغالطة، فإن الأئمة الأربعة كانوا من علماء الحديث، والمحدثون أكثرهم تابع لمذهب واحد من الأربعة، فالإمام مالك كان في عصره إمام أهل الحديث، وكذلك الإمام أحمد، والشافعي مع أنه لم يكن مثلهما في الحديث، لكن كان من كبار أهل الحديث، حتى سمي ناصر السنة، ولا يمكنه أن ينصر السنة دون علم واسع بها، ولو لم يكن حصّل من الحديث ـ إلا أنه لازم فترة طويلة كلاً من الإمامين مالك وسفيان بن عيينة، يأخذ عنهما ـ لكان عنده حديث كثير جداً، وأما الإمام أبو حنيفة فيكفيه عملاً بالحديث ما بينه الإمام المحدث الطحاوي من موافقته للأحاديث في كل فقهه، وأما شهرته بالرأي فلأمرين: أولهما: كثرة تدقيقه وتعمقه في فهم السنة والقياس عليها. وثانيهما: كثرة اعتماده على فقه سيدنا عبد الله بن مسعود ومنهجه، حيث كان ابن مسعود يتجنب الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مهما أمكنه؛ خوفاً من الخطأ في الرواية، فالناس يستطيعون أن يردوا عليه في الفقه إذا أخطأ، ولكن إذا أخطأ في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم يتناقل ذلك الناس، ويستمر الخطأ، وقد بين العلماء تفصيل موقف الإمام أبي حنيفة في كتب خاصة، من تأملها عرف حرصه على اتباع الأحاديث النبوية، وقد اشتهر عنه أنه يرجح العمل بالحديث الضعيف على القياس، خلافاً لما يشيعه خصومه.
وأما أولئك الذين يهاجمون مذاهب الفقهاء الأربعة، ويزعمون أنهم ينتصرون للحديث الشريف، فقد أظهرت مؤلفاتهم تعصبهم للعلماء الذين يحبونهم، بحيث ضعفوا ما يخالفهم، وإن كان صحيحاً، وصححوه وإن كان ضعيفاً، مع أنهم يزعمون أنهم لا يتعصبون إلا للحديث الشريف، فهي دعوى ينقضها واقعهم.
هل اتباع المذاهب بديل للأدلة؟
بعد هذا كله بقيت أشد التهم التي يرميها اللامذهبيون على سائر أمة الإسلام ـ التي لا تسير على خطاهم، ولا ترضى أن تجعلهم قادتها ـ وهي أنهم يقولون لهم: إن الله تعالى فرض طاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم، وأنتم جعلتم طاعة الأئمة بديلاً عن طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت طاعة العلماء مقبولة لكان الصحابة أحق بهذا من الأئمة الأربعة وغيرهم من العلماء.
وجواب هذا أن الأئمة الأربعة ليسوا بديلاً عن الله ورسوله، وليست كتبهم مزاحمة لكتاب الله وسنة رسوله، ولكنها شرح لهما، وبيان وعون لمن يريد أن يفقه عن الله ورسوله آيات الكتاب والسنة.
وكذلك ليس الأئمة الأربعة بديلاً عن الصحابة رضي الله عنهم، ولا منازعين مزاحمين لهم، فالصحابة لم يكتبوا كتباً، وما تكلموا من الفقه، إلا في المسائل التي وجدت في زمانهم، ولا تكلم كل منهم في كل المسائل، فمن يريد أن يتبعهم لا يمكنه ذلك إلا إذا جمع كل ما قالوه، وهذا ما فعله الأئمة المجتهدون الأربعة وأمثالهم، فالذي فعله كل منهم هو أنه جمع ما تفرق من فقه الصحابة والتابعين للكتاب والسنة، وعمل بما اتفقوا عليه، ورجح عند اختلافهم ما رآه راجحاً حسب قواعد الرواية وقواعد فقه الكتاب والسنة، التي علمها واختلفوا في الترجيح كما اختلف الصحابة، فهم خدموا علم الصحابة والتابعين، وما فضلت الأمة اتباعهم على غيرهم إلا لخدمتهم الكتاب والسنة وفقه الصحابة رضوان الله عليهم، وأما الإعراض عن فقههم فهو تفريط بعلم الكتاب والسنة، كما يأتي تفصيله في رسالة العلامة الكوثري ـ رحمه الله ـ.
لا ينكر على من اختار إماماً دون الآخرين:
فإن قيل لنا: لماذا اقتصرتم على هؤلاء الأربعة، مع أن أئمة الاجتهاد في عصر السلف كثيرون؟!
فالجواب: أن الأمة فضلت اتباعهم من باب الاختيار فيما تختلف وجهات النظر فيه، ولا يلزم فيه المرء بشيء، ولم يكن ذلك انتقاصاً للأئمة الآخرين، ولكن لأنها رأتهم جمعوا أكثر ما يمكن من فقه الصحابة والتابعين، ووثقوا ما ثبت ، وتركوا ما لم يثبت، وشرحوا ذلك، ووفقوا بين المختلف منه إذا أمكن، واعتمدوا في الترجيح على موازين دقيقة أمنية، ولأنها رأتهم أفضل في العمل والتقوى من معاصريهم، ووجدت أكثر علماء عصرهم وما بعده وافقوهم، ووجدت أن مذاهبهم خدمت كثيراً بالمراجعة والمدارسة، وطول البحث، والنظر فيما هو أنسب لوقائع الحياة، فاختارتهم دون غيرهم، وهذا واقع يعرفه كل العلماء، وإن غاب عن غيرهم، فالذي يريد أن يستغني عنهم يضيع هذا الجهد العلمي الكبير الواسع، الذي جمعه وحققه الأئمة الأربعة، وتبعهم تلاميذهم في دراسته وتنقيحه، هذا إذا كان من أهل العلم.
وأما فتح الباب لأنصاف العلماء وأشباه العلماء، أو عموم الناس أن يتكلموا في الفقه، ويختاروا ما يشاؤون منه، دون أهلية، ودون معرفة بقواعد فهم الأدلة، فهو أمر ينتهي إلى التلاعب بآيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وضياع الدين كله، والعياذ بالله تعالى. وهذه هي القنطرة التي يُتخذ فيها الهوى ديناً، وتؤدي إلى اللادينية.
والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
وبعد فهذه كلمة قدمتها بين يدي رسالة العلامة المحدث الفقيه الأصولي الشيخ (زاهد الكوثري): ”اللامذهبية...“ ، وهو وكيل الشيخ (مصطفى صبري) في منصب شيخ الإسلام في الخلافة العثمانية، وقد نال الشيخ زاهداً أذى كثير بسبب هذه الرسالة وأمثالها، مما رد فيه على اللامذهبيين، ووجهت إليه حملات تشويه كبيرة، فكل من رد على اللامذهبيين رموه بتهم كثيرة، أقلها تهمة البدعة الضلالة، والمنصف من بحث ونظر، وخشي الله في بحثه ونظره، ثم حكم من المبتدع، ومن تابع السنة، والجميع سيقفون بين يدي الله أحكم الحاكمين

(ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت أحكم الحاكمين )

(ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشداً)

(1) ومن المغالطة في ترويج اللامذهبية أن كتابها يطلقون في كثير من الأحيان اسم السلف على العلماء الذين اختاروا اتباعهم وعلى مشايخهم في هذا العصر فهي تسمية لو صحت لغة لما صحت ورعاً لأنها من تزكية المرء لنفسه وترفعه على إخوانه المسلمين بلاحق.
(2) مجموع الفتاوى (20/292)
(3) لم يعد الحافظ ابن حجر الإمام أحمد في أهل القرون الثلاثة وهذا لايطعن في منزلته حديثاً أوفقهاً على أن حديث خير القرون له رواية ذكرت القرن الرابع فيكون الإمام أحمد منهم بل من كبارهم.
(4) صحيح البخاري برقم (6282) وصحيح مسلم برقم (2533)
(5) إعلام الموقعين (2/184)
(6) إعلام الموقعين (2/177)
(7) ص (517)
(8) ص (554)
(9) إعلام الموقعين (2/138)
(10) رواه مسلم برقم 1731
(11) ص 517

____________________________________

 اللامذهبية قنطرة اللادينية 
للعلامة الكوثري رحمه الله

                                    بسم الله الرحمن الرحيم
لا تجد بين رجال السياسة - على اختلاف مبادئهم - من يقيم وزناً لرجل يدعي السياسة وليس له مبدأ يسير عليه ويكافح عنه باقتناع وإخلاص ، وكذلك الرجل الذي يحاول أن يخادع الجمهور قائلا لكل فريق : أنا معك
.
ومن أردإ خلال المرء أن يكون إمعة ، لا مع هذا الفريق ولا مع ذلك الفريق ، وإن تظاهر لكل فريق أنه معه . وقديما قال الشاعر العربي

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن = وإذا لقيت معديا فعدناني
ومن يتذبذب بين المذاهب منتهجا اللامذهبية في الدين الإسلامي فهو أسوأ وأردأ من الجميع .
وللعلوم طوائف خاصة تختلف مناهجهم حتى في العلم الواحد عن اقتناع خاص ؛ فمن ادعى الفلسفة من غير انتماء إلى أحد مسالكها المعروفة ، فإنه يعد سفيها منتسبا إلى السفه ، لا إلى الفلسفة ، والقائمون بتدوين العلوم لهم مبادئ خاصة ومذاهب معينة حتى في العلوم العربية لا يمكن إغفالها ، ولا تسفيه أحلام المتمسكين بأهدابها لمن يريد أن يكرع من ينابيعها الصافية
.
وليس ثمة علم من العلوم عني به العلماء عناية تامة على توالي القرون من أبعد عهد في الإسلام إلى أدنى عهوده القريبة منا مثل الفقه الإسلامي ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم – كان يفقه أصحابه في الدين ، ويدربهم على وجوه الاستنباط ، حتى كان نحو ستة من الصحابة – رضوان الله عليهم أجمعين – يفتون في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم
- .
وبعد انتقاله إلى الرفيق الأعلى استمر الصحابة على التفقه على هؤلاء ، ولهم أصحاب معروفون بين الصحابة والتابعين في الفتيا ، فالمدينة كانت مهبط الوحي ، ومقر جمهرة الصحابة إلى آخر عهد ثالث الخلفاء الراشدين ، وعني كثير من التابعين من أهل المدينة بجمع شتات المنقول عن الصحابة من الفقه والحديث ، حتى كان للفقهاء السبعة من أهل المدينة منزلة عظيمة في الفقه ، كان سعيد بن المسيب يسأله ابن عمر – رضي الله عنهما – عن أقضية أبيه ، تقديرا من ذلك الصحابي الجليل لسعة علم هذا التابعي الكبير بأقضية الصحابة
.
ثم انتقلت علوم هؤلاء إلى شيوخ مالك من أهل المدينة ، فقام مالك بجمعها وإذاعتها على الجماهير ، فنسب المذهب إليه تأصيلا وتفريعا ، وانصاع له علماء كبار تقديرا لقوة حججه ونور منهجه على توالي القرون ، ولو قام أحد هؤلاء العلماء المنتمين إليه بالدعوة إلى مذهب يستجده لوجد من يتابعه من أهل العلم لسعة علمه وقوة نظره ، لكنهم فضلوا المحافظة على الانتساب إلى مذهب عالم المدينة ، حرصا على جمع الكلمة ، وعلما منهم بأن بعض المسائل الضعيفة المروية عن صاحب المذهب تترك في المذهب إلى ما هو أقوى حجة وأمتن نظرا برأي أصحاب الشأن من فقهاء المذهب ، حتى أصبح المذهب باستدراك المستدركين لمواطن الضعف بالغَ القوة ، بحيث إذا قارعه أحد المتأخرين أو ناطحه فَقَدَ رأسه
.
وهكذا باقي المذاهب للأئمة المتبوعين ، فها هي الكوفة بعد أن ابتناها الفاروق – رضي الله عنه – وأسكن حولها الفُصَّح من قبائل العرب ، بعث إليها ابن مسعود – رضي الله عنهليفقه أهل الكوفة في دين الله قائلا لهم : إني آثرتكم على نفسي بعبدالله
.
وعبدالله هذا منزلته في العلم بين الصحابة عظيمة جدا ، وهو الذي يقول فيه عمر : كنيف ملئ علما . وفيه ورد حديث : ( إني رضيت لأمتي ما رضي لها ابن أم عبد ) وحديث : ( من أراد أن يقرأ القرآن غضا كما أنزل فليقرأه على قراءة ابن أم عبد
.
فقراءة ابن مسعود هي التي يرويها عاصم عن زر بن حبيش عنه ، كما أن قراءة علي بن أبي طالب – كرم الله وجهه – هي التي يرويها عاصم عن أبي عبدالرحمن عبدالله بن حبيب السلمي عنه
.
فعُني ابن مسعود بتفقيه أهل الكوفة من عهد عمر إلى أواخر عهد عثمان – رضي الله عنهم – عناية لا مزيد عليها ، حتى امتلأت الكوفة بالفقهاء
.
ولما انتقل علي بن أبي طالب – كرم الله وجههإلى الكوفة ، سُرَّ من كثرة فقهائها جدا فقال : رحم الله ابن أم عبد ، قد ملأ هذه القرية علما
.
ووالى بابُ مدينة العلم (يعني علي رضي الله عنه) تفقيههم ، إلى أن أصبحت الكوفة لا مثيل لها في أمصار المسلمين في كثرة فقهائها ومحدثيها ، والقائمين بعلوم القرآن وعلوم اللغة العربية فيها بعد أن اتخذها على بن أبي طالب – كرم الله وجهه – عاصمة الخلافة ،

وبعد أن انتقل إليها أقوياء الصحابة وفقهاؤهم ، وقد ذكر العجلي أنه توطن الكوفة وحدها من الصحابة ألف وخمسمائة صحابي ، سوى من أقام بها ونشر العلم بين ربوعها ، ثم انتقل إلى بلد آخر فضلا عن باقي بلاد العراق ، فكبار أصحاب علي وابن مسعود – رضي الله عنهما – بها لو دونت تراجمهم في كتاب خاص لأتى كتابا ضخما ، وليس هذا موضع سرد لأسمائهم ،


وقد جمع شتات علوم هؤلاء إبراهيم بن يزيد النخعي ، وآراؤه مدونة في آثار أبي يوسف ، وآثار محمد بن الحسن ، ومصنف ابن أبي شيبة وغيرها ، ويعد النقاد مراسيله صحاحا ، ويفضله على جميع علماء الأمصار الشعبي الذي يقول عنه ابن عمر – رضي الله عنهما – حينما رآه يحدث بالمغازي : لهو أحفظ لها مني وإن كنت قد شهدتها مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم
- .
ويقول أنس بن سيرين : دخلت الكوفة فوجدت بها أربعة آلاف يطلبون الحديث وأربعمائة قد فقهوا كما في الفاصل للرامَهُرْمُزِيّ
.
وقد جمع أبو حنيفة علوم هؤلاء ودوَّنها بعد أخذ وردّ سديدين في المسائل بينه وبين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيها من نبلاء تلاميذه المتبحرين في الفقه والحديث وعلوم القرآن والعربية ، كما نص على ذلك الطحطاوي وغيره
.
وعن هذا الإمام الأعظم يقول محمد بن إسحاق النديم ، الذي ليس هو من أهل مذهبه : والعلم برا وبحرا ، شرقا وغربا ، بعدا وقربا تدوينه رضي الله عنه
.
ويقول الشافعي رضي الله عنه : الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة

ثم أتى الشافعي - رضي الله عنه – فجمع عيونا من المعينين ، وزاد ما تلقاه من شيوخه من أهل مكة كمسلم بن خالد ، الذي تلقى عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ، وقد امتلأ الخافقان بأصحاب الشافعي وأصحاب أصحابه ، وملؤوا العالم علما ، وأهل مصر من أعرف الناس بعلومه وعلوم أصحابه حيث سكنها في أواخر عمره ، ونشر بها مذهبه الجديد ، ودفن بها – رضي الله عنه
-
ولا يتسع هذا المقال لبيان ما لسائر الأئمة من الفقهاء من الفضل على الفقه الإسلامي ، وهم على اتفاق في نحو ثلثي مسائل الفقه ، والثلث الباقي هو معترك آرائهم ، وحججهم في ذلك ومداركهم مدونة في كتب أهل الفقه
.
فمذاهب تكون بهذا التأسيس وهذا التدعيم إذا لقيت في آخر الزمن متزعما في الشرع يدعو إلى نبذ التمذهب باجتهاد جديد يقيمه مقامها ،

محاولا تدعيم إمامته باللامذهبية بدون أصل يبني عليه غير شهوة الظهور ،

تبقى تلك المذاهب وتابعوها في حيرة بماذا يحق أن يلقب من عنده مثل هذه الهواجس والوساوس ، أهو مجنون مكشوف الأمر ، غلط من لم يقده إلى مستشفى المجاذيب ، أم مذبذب بين الفريقين يختلف أهل العقول في عدِّه من عقلاء المجانين ، أو مجانين العقلاء ؟
! .
بدأنا منذ مدة نسمع مثل هذه النعرة من أناس في حاجة شديدة على ما أرى إلى الكشف عن عقولهم بمعرفة الطبيب الشرعي
.
قبل الالتفات إلى مزاعمهم في الاجتهاد الشرعي القاضي – في زعمهم – على اجتهادات المجتهدين ، فعلى تقدير ثبوت أن عندهم بعض عقل ، فلا بد أن يكونوا من صنائع أعداء هذا الدين الحنيف ، ممن لهم غاية ملعونة إلى تشتيت اتجاه الأمة الإسلامية في شؤون دينهم ودنياهم ، تشتيتا يؤدي بهم إلى التناحر والتنابذ والتشاحن والتنابز يوما بعد يوم ، بعد إخاء مديد استمر بينهم منذ بزغت شمس الإسلام إلى اليوم
.
فالمسلم الرزين لا ينخدع بمثل هذه الدعوة ، فإذا سمع نعرة الدعوة إلى الانفضاض من حول أئمة الدين الذين حرسوا أصول الدين الإسلامي وفروعه من عهد التابعين إلى اليوم ، كما توارثوه من النبي – صلى الله عليه وسلم – وأصحابه – رضي الله عنهم أجمعين – أو طرق سمعه نعيق النَّيْل من مذاهب أهل الحق ، فلا بد له من تحقيق مصدر هذه النعرة واكتشاف وكر هذه الفتنة ، وهذه النعرة لا يصح أن تكون من مسلم صميم درس العلوم الإسلامية حق الدراسة ، بل إنما تكون من متمسلم مندس بين علماء المسلمين أخذ بعض رؤوس مسائل من علوم الإسلام بقدر ما يظن أنها تؤهله لخدمة صنائعه ومرشحيه ، فإذا دقق ذلك المسلم الرزين النظرَ في مصدر تلك النعرة بنوره الذي يسعى بين يديه ، يجده شخصا لا يشارك المسلمين في آلامهم وآمالهم إلا في الظاهر ،

بل يزامل ويصادق إناسا لا يتخذهم المسلمون بطانة ، ويلفيه يجاهر بالعداء لكل قديم وعتيق إلا العتيق المجلوب من مغرب شمس الفضيلة ، ويراه يعتقد أن رطانته تؤهله – عند أسياده – لعمل كل ما يعمل ، فعندما يطلع ذلك المسلم على جلية الأمر يعرف كيف يخلص نيئة الإسلام من شرور هذا النعيق المنكر بإيقاف أهل الشأن على حقائق الأمور ، والحق يعلو ولا يعلى عليه
.
فمن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الأئمة المتبوعين الذين أشرنا فيما سبق إلى بعض سيرهم – لا يخلو من أن يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلها ، بحيث يباح لكل شخص غير مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء مجتهد من المجتهدين ، بدون حاجة إلى الاقتصار على آراء مجتهد واحد يتخيره في الاتباع ، وهذا ينسب إلى المعتزلة ، وأما الصوفية فإنهم يصوبون المجتهدين ، بمعنى الأخذ بالعزائم خاصة من بين أقوالهم من غير اقتصار على مجتهد واحد
.
وإليه يشير أبو العلاء صاعد بن أحمد بن أبي بكر الرازي – من رجال نور الدين الشهيد – في كتابه ( الجمع بين التقوى والفتوى من مهمات الدين والدنيا ) حيث ذكر في أبواب الفقه منه ما هو مقتضى الفتوى ، وما هو موجب التقوى من بين أقوال الأئمة الأربعة خاصة ، وليس في هذا معنى التشهي أصلا ، بل هو محض التقوى والورع
.
والرأي الذي ينسب إلى المعتزلة يبيح لغير المجتهد الأخذ بما يروقه من الآراء للمجتهدين ، لكن أقل ما يجب على غير المجتهد في باب الاجتهاد أن يتخير لدينه مجتهدا يراه الأعلم والأورع ، فينصاع لفتياه في كل صغير وكبير ، بدون تتبع الرخص – في التحقيق – وأما تتبعه الرخص من أقوال كل إمام ، والأخذ بما يوافق الهوى من آراء الأئمة ، فليسا إلا تشهيا محضا ، وليس عليهما مسحة من الدين أصلا ، كائنا من كان مبيح ذلك
.
ولذلك يقول الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني الإمام ، عن تصويب المجتهدين مطلقا : أوله سفسطة وآخره زندقة . لأن أقوالهم تدور بين النفي والإثبات ، فأنى يكون الصواب في النفي والإثبات معا ؟
.
نعم ، إن من تابع هذا المجتهد جميع آرائه فقد خرج من العهدة ، أصاب مجتهده أم أخطأ ، وكذا المجتهدون الآخرون ، لأن الحاكم إذا اجتهد وأصاب فله أجران ، وإذا اجتهد وأخطأ فله أجر واحد ، والأحاديث في هذا الباب في غاية من الكثرة
.
وعلى اعتبار من قلد المجتهد خارجا من العهدة وإن أخطأ مجتهدُه ، جَرَت الأمةُ منذ بزغت شمس الإسلام ، ولا تزال بازغة إلى قيام الساعة - بخلاف شمس السماء فإن لها فجرا وضحى وغروبا – ولولا أن المجتهد يخرج من العهدة على تقدير خطئه لما كان له أجر ، وليس كلامنا فيه ، وكلام الأستاذ أبي أسحق الإسفراييني عن المصوبة حق ، يدل عليه ألف دليل ودليل ، ولكن ليس هذا بموضع توسع في بيان ذلك
.
وأما إن كان الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الأئمة المتبوعين أنهم من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين ، وأن المجتهدين في الإسلام إلى اليوم كلهم على خطإ ، وأنه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على الأمة منذ بزوغ شمس الإسلام إلى اليوم ، فهذا من التهور والمجازفة البالغين حد النهاية
.
ونحن نسمع من فلتات ألسنة دعاة هذه النعرة بين حين وآخر تهوين أمر أخبار الآحاد الصحيحة من السنة ، وكذا الإجماع والقياس ، بل دلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط
.
فبتهوين أخبار الآحاد يتخلصون من كتب السنة من صحاح وسنن وجوامع ومصنفات ومسانيد وتفاسير بالرواية وغيرها ، وإذن فلا معجزة كونية تستفاد منها ولا أحكام شرعية تستمد منها ، فهل يسلك مثل هذه السبيل من سبل الشيطان غير صنائع أعداء الإسلام ؟
.
على أن أخبار الآحاد الصحيحة قد يحصل بتعدد طرقها تواتر معنوي ، بل قد يحصل العلم بخبر الآحاد عند احتفافه بالقرائن ، بل يوجد بين أهل العلم من يرى أن أحاديث الصحيحينغير المنتقدة – من تلك الأحاديث المحتفة بالقرائن
.
وبنفي الإجماع يتخلصون من مذاهب جمهرة أهل الحق ، وينحازون إلى الخوارج المرقة ، والروافض المردة
.
وبِرَدِّ القياس الشرعي يسدون على أنفسهم باب الاجتهاد ومسالك العلة – على طرقها المعروفة المألوفة – منحازين إلى نفاة القياس من الخوارج والروافض وجامدي أهل الظاهر
.
وبتلاعبهم بدلالات الكتاب المعتبرة عند أهل الاستنباط يتخذون القيود الجارية مجرى الغالب الملغاة باتفاق بين القائلين بالمفاهيم وغير القائلين بها من صدر الإسلام إلى اليوم وسيلة لتغيير كثير من الأحكام القطعية ، ويجعلون للعرف شأنا غير ما له عند جميع فقهاء هذه الأمة ، خانعين لما ألقاه بعض مستشرقي اليهود بمصر في عمل أهل المدينة ونحوه ، وكذلك صنيعهم في المصلحة المرسلة التي شرحنا دخائلها بعض شرح في مقالنا ( شرع الله في نظر المسلمين
) .
وكل ذلك يجري تحت بصر الأزهر وسمعه ، ورجاله سكوت ، والسكوت على تلك المخازي مما لا يرتضيه الأزهر السني الذي أسس بنيانه على التقوى منذ عهد الملك الظاهر بيبرس وأمرائه الأبرار ، حيث صيروه معقل العلم لأهل السنة ، بعد أن أحيوا معالمه ، ولم تزل ملوك الإسلام ترعاه على هذا الأساس إلى اليوم ، ولا يزال بابه مغلقا على غير أتباع الأئمة الأربعة ، وكم أدروا عليه من الخيرات لهذه الغاية النبيلة ، وللملك فؤاد الأول – رحمه اللهيد بيضاء في إنهاض الأزهر على ذلك الأس القويم ، والحكومة الرشيدة المتمسكة بأهداب الدين الإسلامي لم تزل تسدي إليه كل جميل مراعاة لتلك الغاية السديدة
.
فإذا تم لدعاة النعرة الحديثة في قصر الاجتهاد على شخص واحد من أبناء العهد الحديثبمؤهلات غير معروفة – وتمكنوا من إبادة المذاهب المدونة في الإسلام لهؤلاء الأئمة الأعلام ، ومن حمل الجماهير على الانصياع لآراء ذلك الشخص يتم لهم ما يريدون
.
لكن الذي يتغنى بحرية الرأي على الإطلاق بكل وسيلة كيف يستقيم له منح الطامحين من أبناء الزمن مثله إلى الاجتهاد من الاجتهاد ، أم كيف يجيز إملاء ما يريد أن يمليه من الآراء على الجماهير مرغمين فاقدي الحرية ، أم كيف يبيح داعي الحرية المطلقة حرما الجماهير المساكين المقلدين حرية تخير مجتهد يتابعونه باعتبار تعويلهم عليه في دينه وعلمه في عهد النور!!؟ . ولم يسبق لهذا الحجر مثيل في عهد الظلمات !!! وهذا مما لا أستطيع الجواب عنه
.
وقصارى القول أنك إذا قمت بدرس أحوال القائمين بتلك النعرة الخبيثة وجدتهم لا يألفون المألوف ، ولا يعرفون المعروف ، أعمت شهوة الظهور بصائرهم ، حتى تراهم يصادقون المتألبين على الشرق المسكين ، فنعرتهم هذه ما هي إلا نعيق الإلحاد المنبعث عن أهل الفساد ، فيجب على أهل الشأن أن يسعوا في تعرف مصدر الخطر ، وإطفاء الشرر ، وليست هذه الدعوة المنكرة سوى قنطرة اللادينية السائدة في بلاد أخرى منيت بالإلحاد وكتبت لها التعاسة ، والمؤمن لا يلدغ من جحر مرتين ، والعاقل من اتعظ بغيره ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل .